Résumé de section

  • 1.  النقد النّفسيCritique Psychologique  "مفهومه، نشأته ووظائفه":

     يقوم النّقد النّفسيّ على التحليل النّفسي للمزاج الشّخصي ودراسة ظواهر النّفس البشريّة والقوانين الّتي تحكمها، وما يختلجها من عواطف وانفعالات وما يعترضها من مواقف، وما تتصف به من سلوكيات انطلاقا من النّصّ،" فالعمل الأدبيّ هو تعبير عن تجربة شعوريّة في صورة موحية..، والتجربة الشّعوريّة ناطقة بألفاظها عن أصالة العنصر النّفسي في مرحلة التّأثّر الدّاعية إلى التعبير، والصورة الموحية ناطقة بألفاظها كذلك عن أصالة هذا العنصر في مرحلة التأثير الّذي يوحي به التّعبير". ليتجلّى العنصر النّفسي في العمل الأدبيّ الّذي يعكس من خلاله الأديب تجربة شعوريّة اتخذها موضوعا من موضوعاته، متأثرا في ذلك بمواقف دفعته لممارسة عمليّة الكتابة، ليتخذ هذا المنهج من الشّخصيات الورقيّة والذّات المبدعة المادّة الخام لدراسة تلك الأفكار وتقييمها بعد شرحها وتفسيرها وتحليلها. وعلم النّفس في هذا النوع من الدراسات "هو أقرب العلوم إلى ميدان الأدب وأكثرها فائدة للناقد الأدبيّ، إذ أنّ التداخل قويّ بين ميداني علم النفس والأدب وبالتالي علم النّفس والنقد، كلاهما يتخذان من النفس الإنسانية مادّة أساسية لهما". وتكمن مهمّة النقد النفسي الأساسيّة في "اكتشاف الملكة الرئيسيّة للكاتب، هذه الحالة النفسيّة المسيطرة والملحّة تعطي مشهد الضّرورات الرائعة الّتي تربط بينهما الخيوط الّتي لا حصر لها، ذات الفروق الدّقيقة والمتشابكة للكائن الإنساني"، وقد أتاح هذا المنهج فرصة "التعمق في فهم كل من عملية الخلق الفني وأسلوب الشعراء في تطوير رموزهم بهدف التعبير عن الانفعالات والتجارب الداخليّة، وكذلك قدّم لنا صفحات مثيرة في مجال تحليل الدوافع المخبوءة للمؤلفين وللشخصيات الفنية التي خلقوها، لكنه مال في معظم تطبيقاته إلى إهمال الطبيعة الفنية للنصوص، وكثيرا ما قدّم النتاج الأدبي على أنّه وليد أعراض عصابية وانحرافات نفسية"، عكس به حالة مرضيّة واضطرابات نفسيّة عصبيّة يعاني منها الأديب، مرتكزا في ذلك على الجانب النفسي متجاوزا الجانب الفنّي للأدب، وهذا ما عبّر عنه العالم والمحلل النّفساني الفرنسي (لامورج) في وصفه للكاتب بقوله: "إنّ الفنّان مريض متميّز يستطيع أن يخلق فنّا، وما الشّكل الشعريّ إلاّ وسيلة تخفي المرض العصبيّ عند الشّاعر حتّى يعزّ كشفه إلاّ على يد الإكلينيكيين- أطبّاء العيادات النّفسيّة-"، وهذا ما اسنتجه فرويد الّذي خلص إلى أنّ " الفنّ ومنه الشّعر والأدب، مصدره عُقد وأزمات نفسيّة"، ليتّكئ هو بدوره على أسس نظريّة تولي الأهمّيّة للجذور النّفسيّة الّتي تتعلّق بالعمل الأدبي، ليكشف عن العلاقة الّتي تجمع بين نزعة الأديب النفسيّة والتعبير الأدبي؛ بين النص والمتلقي الذي يتأثر نفسيا بتذوّقه لها أثناء ممارسته لعمليّة القراءة وهذا ما أكّده إ. ريتشاردز بقوله:" إنّ نفسيّة حدث القراءة، أقرب إلى النّقد  من نفسيّة حدث الكتابة"، ليكشف العلاقة التي تربط بين الأدب ونفسية الذات المبدعة التي أنتجته، بسبر أغوارها انطلاقا من نتاجها الّذي يعكس ما تخفيه من مكنونات ومكبوتات." والشّخصيّة الإنسانيّة – حسب يونج- لا تقتصر حدودها على التجربة الفرديّة، وإنّما تمتدّ لتستوعب التّجربة الإنسانيّة للجماعة"؛ تجربة يعكس بها اللاوعي الجمعي الذي تعيشه الذات الإنسانيّة من تجارب نفسانيّة في نصوصه التي تعدّ أساس عمليّته الإبداعيّة الفنية،" فيستقرئ ما يحتويه هذا الغور من نفس الأديب، وما يعكسه في نفوس الآخرين، وهو أمر لابدّ منه لاستكمال جوانب العمليّة النقديّ، وأقلّ ما في ضرورته أنّ النّاقد يتعامل مع الفنّ، وقوام الفنّ الحياة، وقوام الحياة نفس الفنّان وما انطبع في نفس الفنّان من آثار الطّبيعة والمجتمع فملأها عاطفة وأثارها خيالا، فشحن الألفاظ والصور قوّة وتأثّرا"، وعليه فالعلاقة القائمة بين الأقطاب التي ذكرها- الحياة، الفنّ، الأديب والمتلقي- أيضا علاقة تأثير وتأثّر.

     "ويقترن نشوء هذا العلم – علم النّفس التّحليلي- وذيوعه بعالم النّفس النّمساوي (سيجموند فرويد 1833-1939)..، وهو يرى أنّ النّشاط النّفسي موزّع بين: "الأنا -يمثّله الجانب السيكولوجي أو الشّعوري-، والأنا الأعلى -يمثّله الجانب الاجتماعي أو الأخلاقي-، والهو -يمثله الجانب البيولوجي-"، والصراع دائم بين هذه القوى، ومحصّلة الصّراع تتجلّى في "سلوك الشّخص في أيّ موقف. ولهذا الصّراع وسائل معيّنة يصل بها إلى تكوين المحصّلة، يطلق عليها فرويد اسم الآليات منها: القمع والكبت والتسامي والتبرير والتقهقر..إلخ"، وانطلاقا من دراساته للأعمال القصصيّة والرّوائيّة خلص إلى أنّ " العمل الخلاّق لفنّان ما، هو في الوقت نفسه تحويل متفرِّغ من رغباته الجنسيّة..، وتمثيل الحياة النّفسيّة الإنسانيّة هي ميدان الرّوائي الخاص فعلا، وأنّه قد استبق دائما رجل العلم، وخاصّة العالم النّفسي"[، ليستفيد المنهج النفسيّ من التحليل النفسي للأدب الّذي تعود بداياته حسب ما ذكره الدارسون إلى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين؛ إلى الكتاب الّذي نشره هذا العالم في "تفسير الأحلام سنة 1900..، مع العلم أنّه عَدَّ الأدباء الكبار محللين نفسانيين قبل وجود التّحليل النّفسي..، وأنّه يفيد منهم في عمله، ونظريّته فهو منهم بموقف التلميذ من أستاذه"، فكانوا حسب رأيه السّبّاقين إلى اكتشاف التحليل النّفسي للأدب وتفسيره دون معرفتهم لاسمه على حدّ تعبيره، كما أنه هو بدوره أثّر في معاصريه الذين انتفعوا من دراساته التحليلية النفسية للوحة ليوناردو دافنتشي المعروفة باسم الموناليزا، إذ أنّه لم يكتف بتطبيق تحليله النفسيّ على الأدب فقط ليتجاوزه إلى الأعمال الفنّيّة، "حتّى عدّ مؤسّس النّقد الأدبي النّقد الأدبي، أو النّقد الأدبي بمعنى التحليلي، بمعنى التّحليل النّفسي". ليسير على خطاه في تحليلهم للنصوص الأدبيّة تحليلا نفسيا: فيكتور هيجو 1943 في كتابه "التحليل النفساني"، وشارل مورونMauron  في كتابه "مدخل إلى التحليل النفساني "1950، وهذا الأخير عدّ من أوائل النقاد الّذين اقترحوا هذا المنهج لدراسة الأدب دراسة نفسيّة، معتبرا شخصية الأديب وتاريخها محور الدراسة وموضوعها في النقد النفسي. 

    2.  ملامح النّقد النّفسي في الوطن العربي:

    استمدّ العرب النقد النفسي من الغرب، فتبنّوا مبادئه في دراستهم للنصوص الأدبية وتحليلها وربطوها بوظائفه النّفسية، ومن النقّاد الّذين دعوا إلى الاستعانة بعلم النفس في دراسة البلاغة أمين الخولي في مقاله "البلاغة وعلم النفس"، ومحمد خلف في مقاليه "التيارات الفكرية التي أثرت في دراسة الأدب"، و"نظريّة عبد القاهر الجرجاني في أسرار البلاغة" التي شرحها من منطلق نفسيّ، ليربطا في دراستهما بين بلاغة الكلام ومطابقته لمقتضى الحال مع الحرص على فصاحته وجودته وما يقتضيه من خصائص أسلوبية، وبلاغة المتكلّم الّذي يمتلك هذه الملكة في التعبير البليغ الّذي يؤثر به في النفوس المتذوّقة، ليقفوا بذلك على جانبين: حقيقة النفس وقواعدها .

     ومن النقاد المحدثين الذين طبّقوا هذا المنهج على الإبداع الأدبيّ: طه حسين وعباس محمود العقاد الّذي نجده يعرب عن مناصرته لهذا المنهج بقوله:" إذا لم يكن بدّ من تفضيل إحدى مدارس النّقد على سائر مدارسه الجامعة، فمدرسة النّقد السيكولوجي أو النّفسي أحقّها جميعا بالتّفضيل، في رأيي وفي ذوقي معا، لأنّها المدرسة الّتي نستغني بها عن غيرها، ولا نفقد شيئا من جوهر الفنّ أو الفنّان المنقود"، متأثرا في ذلك بالنقد النفسي عند "سانت بيف"، وبمبادئه التي ترتكز على سيرة المؤلّف الذاتيّة للتعرّف على نفسيّته والكشف عما يعانيه من اضطرابات نفسيّة؛ عصبيته، نرجسيّته، مزاجه، رغباته، عقده..إلخ، وذلك في كتابه "ابن الرومي حياته من شعره"، الذي تطرّق فيه إلى كل نواحي نفسه وانفعالاته الظّاهرة والخفيّة حيث تطرّق فيه إلى مزاجه، وأثره في إسرافه في كلّ شهوات النّفس والجسد، وأثر ذلك على مزاجه، وأثرهما معا في وسوسته وأثر هذه الوسوسة في استطراداته الشّعريّة"، كما أنّه اعتمد على هذا المنهج في دراسته لشخصية أبي نواس مفسّرا نفسيّته في ضوء العقدة المرضية والاضطراب العقلي، الّذي جعله يعزز شعوره بأهمّيّته الخاصّة وحاجته للإعجاب المفرط، المعروف بالنرجسيّة – داء العظمة-.

    ليتوصّل النويهي من خلال سعيه إلى استنباط الخصائص النّفسيّة ومظاهر السّلوك المتجلّيّة في أشعار هذه الشّخصيّة وأخباره، إلى تفسير عقدة أخرى سببها "اضطرابه الجسمانيّ المتّصل بطبيعة تكوينه، نتيجة لإرهاف في حسّه، وتوتّر في أعصابه، ولرابطة الأمومة الناتجة من تزوّج أمّه بغير أبيه عقب وفاته، ما قاده إلى ضروب من الشّذوذ، وإحساسه نحوها إحساس الولد نحو أمّه"، ليسيرا بذلك على نهج فرويد في تحليلهما النفسي للعمل الأدبي، بتركيزهما على ظواهر العقد النفسية التي يعاني منها الأدباء.   

    3.  خصائص المنهج النفسي:

     تتكئ الدراسة النفسية للعمل الأدبي على مجموعة من الخصائص نذكر منها: 

    -  "التكفل بالبحث عن الكيفيّة التي تتمّ بها عمليّة الخلق الأدبي، وطبيعة هذه العمليّة من الوجهة النفسية.

    -  الكشف عن العناصر الشعورية وغير الشعورية التي تتعلق بعملية الخلق الأدبي وكيفية تركيبها وتناسقها.

    -  مدى تأثير العمل الأدبي والمبدع على المتلقي.

    -  تبحث في العلاقة التي تربط بين الصورة اللفظيّة المعبرة عن التجربة الشعورية، وبين تجارب الآخرين سواء كانت هذه الأخيرة الشعورية أو لاشعوريّة".

    -     البحث في علاقة الأدب بشعور الأديب ومزاجه النفسي، ومحاولة استنطاقها، واستقراء تطوراتها، والبواعث التي ترجّ داخله، وعن دوافعه الشعورية واللاشعوريّة وطريقته في الإدراك والتعبير.

    -     الكشف عن الصراعات وعن القوانين الخفيّة والمضمرة التي تعمل بها الذّات الإنسانيّة.

    -     ربط العمل الأدبي بوظائفه النفسية ( علاقة الأدب بنفس المبدع وتعبيره عنها ).

    4.  مآخذ المنهج النّفسي:

     من بين العوامل التي كانت سببا في قصور المنهج النّفسي:

    -      خروجه عن حدوده المألوفة في تحليله للعمل الأدبيّ، ليستحيل بذلك النقد الأدبي تحليلا نفسيا يجعله في دراسته وتحليله يساوي بين النص الجيّد والرّديء من ناحية الدلالة النفسية، متناسيا وظيفة النقد التي تقوم على تقويم العمل الأدبي من الناحية الفنية، دون أن تبين قيمة جودته الفنية لتنغمر وتتوارى في لجة التحليلات النفسية.

    -      الإغراق في الانتفاع بالدراسات النفسية التي من شأنها أن تغرق العمل الأدبي في غمار التحليلات النّفسيّة، ليستحيل العمل الأدبي محضرا لجلسة من جلسات التّحليل كما هو مجسد في بغض الأعمال الأدبية الحديثة.

    -      تجريد الشخصيات من لحمها ودمها، ليجعلها كائنات غير بشرية يحيلها أفكارا وعقدا.  

    -      "تهميش الأدب واعتباره مظهرا للشّذوذ، باستخدام مصطلحات علم النّفس، إذ أصبحت دراسة الأدب ونقده مجرّد هامش موضّح لمنظور علميّ يرتبط بدراسة النّفس الإنسانيّة بتجلّياتها المختلفة، ومجرّد شاهد على بعض الحالات التي توصف بأنّها شاذّة".