المحاضرة التاسعة: النقد الاجتماعي
الخطوط العريضة للقسم
-
1. النقد الاجتماعيّ Critique Sociale "الظهور، النشأة والتطوّر":
عرف النقد الاجتماعيّ رواجا واسعا في أوروبّا وبخاصّة في ألمانيا وذلك في نهاية القرن الثّامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، لتزدهر هذه الحركة النقدية في نهايته. وقد تطوّرت هذه النظريّة النقديّة الاجتماعيّة للأدب وانتشرت بانتشار التيار الماركسي، نسبة إلى كارل ماركس الّذي استطاع أن يكسبها "إطارها المنهجي المنظّم وشكلها الفكريّ الناضج..، بعد أن أصبحت على يده نظريّة متكاملة ورؤية فلسفيّة للأدب وللتطوّر الاجتماعيّ على حدّ سواء، دون تجاهل أسماء أخرى كالفيلسوف هيجل" الّذي قال "باتّحاد الشّكل والمضمون وربط بين الأنواع الأدبيّة والمجتمعات الّتي نشأت فيها"، وعالمي الاجتماع أوكست كومت ودوركهايم، إلى جانب جورج لوكاتش ولوسيان غولدمان. وقد تلقّف النقاد الفرنسيون هذا المنهج بعد هجرتهم إلى ألمانيا وإنجلترا بسبب الظروف السياسية- الثورة ونابوليون-، نذكر منهم: مدام ديستايل التي أصدرت كتابها "الأدب في علاقته بالنظم الاجتماعيّة" سنة 1800 بعد عودتها من ألمانيا، وقد عدّ هذا الأخير من إرهاصات النقد الاجتماعي الممنهج في دراسة الأدب ونقده، متبنّية في ذلك مبدأ الأدب تعبير عن المجتمع لا الفرد، وهو المبدأ الّذي تبنّاه الماركسيون الّذين رفعوا شعار الفن للمجتمع، لتظهر بعده شعارات أخرى تصب في نفس المعنى من ذلك شعار الفن الهادف وشعار رسالة الأدب أو رسالة الفنّ، بحكم أنّ الأديب الناقد يهدف من خلال أدبه إلى بث رسالة توعوية توجيهيّة للمجتمع، باعتبار الأدب ظاهرة ورسالة اجتماعيّة يسعى من خلالها إصلاحه وتقويم اعوجاجه وذلك بدعوته إلى القيم والمثل العليا، أو الدعوة إلى الثورة على الواقع الرأسمالي البرجوازي والإقطاعي الّذي قضى على إنسانيّته، وباعتباره المخول لإيجاد الحلول للمشاكل التي يعيشها المجتمع والإعلاء من شأنه بتحريكه لإرادة الشعب معلنا رفضه الخنوع والاستكانة والاستغلال، ليثير بذلك المتلقّي بتعبيره عن تجربته الإبداعيّة ليدفع به نحو التغيير، أمّا "الفنّ فله وظيفته..، وتعني رسالة الأدب والفنّ عند أصحاب المنهج الاجتماعيّ، ألاّ يظلّ نشاطهما محصورا في إطار القضايا الفرديّة والمعالجات الخاصّة، وألاّ يعزل الأديب أو الفنّان نفسه عن المجتمع في برج عاج، فللأدب والفنّ دور في رقيّ المجتمع، وإسهام في نهضته وتوعية أفرادهم وقيادتهم..، وإنّ القول برسالة الأدب والفن يقود المنهج الاجتماعيّ في النقد إلى عدد من المواقف والتصوّرات؛ منها رفضه الأدب الغامض لأنّه لا يمدّ جسورا مع متلقّيه، ورفضه أن يقتصر على المتعة المحضة من دون أن يفصح عن أهداف واضحة" وهنا يكون النص قد حقق وجوده.
وكذا شاتوبريان الّذي هاجر إلى انجلترا ليصدر كتابه بعد عودته والموسوم بـ: عبقريّة المسيحيّة" سنة 1802، ليساهما بأعمالهما في نشر الوعي النقديّ الاجتماعيّ في بلدهما، من خلال تبنيهما لهذا المنهج في دراستهما النقديّة للإبداع الأدبيّ وذلك بربطهما بين الأدب والمجتمع بمختلف طبقاته باعتباره المنتج له ومحاكيه، "فالأدب ظاهرة تاريخيّة لها أصولها الضّاربة في أعماق كفاح الطّبقات، ويجب على النّاقد أن يقع على القانون الّذي يفسّر حتميّة العلاقة بين المجتمع والفنّ"على حدّ تعبير جورج لوكاتش، أمّا الأديب فهو مرآته العاكسة وممثّل الحياة والبيئة الاجتماعيّة التي ينطلق منها في تصويره لواقع هذا المجتمع. كما "يمكن عدّ التّحليلات الّتي ضمّنها الناقد هيبوليت تين " كتابه "تاريخ الأدب الإنجليزي" سنة1863 أحد أبرز التطبيقات الممثّلة للمنهج الاجتماعيّ في دراسة الأدب وتحليله" .
2. المنهج الاجتماعيّ في النّقد العربيّ الحديث:
تأثّر النقاد العرب بالمنهج الاجتماعي، ويظهر ذلك في دعوة شبلي شميل، سلامة موسى وعمر الفاخوري، وأحمد أمين، ليتطوّر على يد لويس عوض "الّذي أجرى بحوثا عديدة تهتمّ أساسا بإبراز تأثير الوسط الاجتماعيّ على الأثر الأدبي، فهو يحاول الرّبط بين الأدب والسياق الاجتماعيّ..، يرى أنّ الأدب نشاط لا ينفصل عن المجتمع، وأنّه إحدى أدوات التعبير الاجتماعي..، كان متحمّسا للمنهج التاريخي والاجتماعي لتعليل الصلة بين الأثر الأدبي..، ويرى أنّ وظيفة الأدب تتمثّل في تجديد الحياة عن طريق الخلق وترقيتها"؛ أي أنّ الأدب ممثّل لحياة المجتمع، أمّا المنهج فهو سبيله لتعليل العلاقة التي تربط بينه وبين المجتمع. "وإذا رجعنا إلى المنهج الاجتماعيّ نجده يدفع الباحث إلى التعمّق في طبقاته، محاولا تبيّن ظروفها وما بينها من علاقات ومدى تأثير هذه العلاقات في شخصيّات الأدباء وما نهضوا به من دور..، وتبين الطبقة التي ينتمي إليها الأديب..، ويدفعه كذلك إلى معرفة عقيدته ونحلته ومدى التزامه بها وتخليه عنها"، ليرتكز في دراسته لأدب أمّة من الأمم على البعد الاجتماعيّ ومدى تمثّله له، متتبعا التحولات الاجتماعيّة التي تطرأ عليه بعد ربطه بالسياقات التي أنتجته ببيئته الفكريّة والاجتماعيّة؛ بعصره وواقعه الّذي يعدّ أساس الفن والأدب، دون إغفال شخصيّة الذات المبدعة الملتزمة التي تنتمي إلى هذا الواقع وهذا المجتمع بهمومه ومشاكله، والظروف التي تعيشها -تتأثّر وتؤثّر-، " فالنقد الاجتماعيّ يبدأ بمبدأ يقول إنّ علائق الفنّ بالمجتمع ذات أهمّيّة حيويّة، وأنّ تقصّي هذه العلائق قد ينظّم استجابة المرء الجماليّة إلى عمل من أعمال الفنّ ويعمّقها. إنّ الفنّ لا يتشكّل في فراغ، وإنّه ليس من عمل شخص حقّا، بل من عمل مبدع محدّد في الزّمان والمكان، يستجيب لمجتمع هو منه في القمّة، لأنّه جزؤه الناطق، فالناقد الاجتماعيّ إذن يعنى بفهم الوسط الاجتماعيّ، ومدى استجابة الفنان له وطريقته"، كما أنّ هذه الذات المبدعة تعدّ مسؤولة عن تحريك عمليّة القراءة نحو تلك الإيديولوجيات التي يشارك بها أفراد مجتمعه، انطلاقا من تعبيره عن التجربة التي تحيل إلى ذات الجماعة وعلاقتها ببعضها البعض في ظلّ الصراع الّذي تعيشه، لتعدّ هذه الشخصية ظاهرة اجتماعية شأنها شأن الأدب، لنصل بذلك إلى ثلاثيته القائمة على صلة الذات المبدعة والجماعة والنص الأدبي.
كما "اهتّم محمود أمين العالم بإجراء دراسات على عدد من الأدباء..، وكانت نقطة البدء عنده فكرة أساسيّة مؤدّاها أنّ الأدب للمجتمع والتغيّر الاجتماعي، وأنّ مضمون الأثر الأدبي..، يعكس الواقع ويعكس مواقف اجتماعيّة معيّنة، وأنّ البناء الفنّي ليس سوى تشكيلا لهذا المضمون"[11]، ليتجه هو بدوره نجو دراسة مجتمعيّة الأدب وذلك بربطه بين الأدب والمجتمع والواقع وظروفه. كما أنّ هناك دراسة أخرى للشاعر والناقد مغربيّ محمد بنيس "الّذي حاول فيها أن يربط بين الإبداع الشّعريّ العربيّ المعاصر والظّواهر السوسيولوجيّة في المغرب العربي على وجه التحديد"[12]. وقد نال هذا المنهج حظّه في الحركة النقدية الجزائرية أيضا، وما ساعدهم على ذلك امتلاكهم للغة الفرنسيّة التي أهلتهم للاستفادة من النظريات النقديّة الغربيّة التي اغترفوها من منابعها، نذكر منهم: محمد مصايف، عبد الله الرّكيبي، واسيني الأعرج..إلخ.
3. مقاييس النّقد الاجتماعي:
حدّد محمد مصايف كناقد مقاييس النقد الاجتماعيّ موضّحا بذلك الطريقة النقديّة راسما أبجدياتها وذلك في قوله: "ينبغي للناقد أن لا ينسى الظّروف الّتي يعمل فيها الأديب، ينبغي أن يذكر أنّ بلادنا تخوض ثورة اجتماعيّة قاسية ليست أقلّ أهمّيّة من الثّورة المسلّحة، ينبغي أن لا يغفل الجانب الاجتماعيّ في أعمال الأدباء، فيبيّن العلاقة الّتي تربط بين هذه الأعمال وبين تطلّعات المجتمع..، فتحديد الناقد للاتّجاه العام لا ينبغي أن يكون حياديّا، بل ينبغي أن يمتحن مدى التزام الأديب بقضايا المجتمع، ووجهة النّظر هذه أخذ بها الكثير من النقاد الجزائرين، كما اقتنع بها الغرب والعرب"، وهذا ما أشار إليه ديفيد ديستش الّذي" قنع أن يفسّر العمل الأدبيّ بالنّظر إلى أصوله الاجتماعيّة، وأن يعلل نزعة الأديب"[، فمن المبادئ التي يقوم عليها هذا المنهج انطلاقا مما ذكره محمد مصايف:
- ضرورة ربط الأدب بالمجتمع وتفاعلاته وأبنيته ونظمه وتحوّلاته، فهو المرآة العاكسة له ولواقعه، فهو يمثّل الحياة على المستوى الجماعي لا على المستوى الفردي.
- محاولة التقاط العلاقة الدقيقة والحساسة التي تجمع بين العمل الإبداعيّ والتّيّار الاجتماعيّ، ومدى قدرته على بلورة رؤية العالم التي تعين الناقد على إجراء هذه المقاربة السويولوجيّة الأدبيّة.
- المجتمع هو المنتج للأعمال الإبداعيّة والفنّيّة، والمعبّر عن هذه القضايا التي شغلت فكر الذات المبدعة الملتزمة بقضايا المجتمع عاكسة الأحداث والوقائع معبرة عن تطلعاته.
- يهتم هذا المنهج بدراسة المؤلفات والأفكار رابطا الصلة بين الأدب والأديب من ناحية، وبين الأديب وبيئته وعصره من ناحية أخرى.