Résumé de section

  • جامعة مرسلي عبد الله ''تيبازة''

    معهد: اللغة والأدب العربي

       مقياس: النقد الأدبي الحديث                                                                   المستوى: الثانية ليسانس/ تخصص: دراسات لغوية                 


      أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالث

    المحاضرة الثامنة: النقد التاريخي

    عرف النقد الأدبي الحديث قفزة نوعيّة جعلته ينتقل من إصدار أحكام جزئية أو عامّة غير معللة، إلى نقد يُخضع الفنّ لمعايير ومقاييس اتّخذها أساسا في تفسيره وتحليله وتقييمه والحكم عليه بتقديره وذلك باستحسانه بالحكم على جودته أو استهجانه بالحكم على رداءته، لينتقل بذلك من أحكامه الذاتية إلى الموضوعيّة في تذوق الإبداع الفني الأدبي؛ فبات يتبنّى مناهج علمية بمقاييسها وقواعدها وأسسها الموضوعية، جاعلا من الأدب والأديب محور وأساس نظريّته النقديّة منتقلا من السياقيّة التي تنظر إلى العوامل الخارجيّة التي أحاطت بالعمل الأدبي إلى الدراسة المحايثة النّصانيّة التي تعنى بعناصره واسكتناه دلالاته الفنية وبعدها الجمالي. ليساير النقد تطوّر الأدب بحركة البعث الإبداعية فالابتداعية التجديديّة بحكم أنهما صنوان متواشجان. وقد تبلور هذا النقد على يد فلاسفة أدباء من بينهم أرسطو وهو يعدّ أوّل من أرسى دعائم قواعد ومبادئ النقد الأوروبي من خلال كتابه "قواعد الشّعر أو البويطيقا"، لتتطوّر الحركة النقدية التي عرفت بتعدد تياراتها وحركاتها الفكريّة والنقديّة الحديثة غربية كانت أوعربية. "وهكذا تحوّل النقد الأدبيّ إلى نقد تاريخيّ، اجتماعيّ، نفسيّ، فلسفيّ، وأصبح على الناقد أن يلمّ إلماما واسعا وعميقا بهذه الفروع جميعها من المعرفة، ليتمكّن من إصدار حكم موضوعيّ على أدب الأديب وقيمته"، فالأدب هو من وحي الإنسان وإبداعه ونقد هذا الأخير "هو نقد للأديب من خلال تحريّ الأصول التي يستقي منها أفكاره وعواطفه وأخيلته ومسالكه، هذا الموقف الجديد الذي وقفه المحدثون تجاه الظاهرات الأدبية واحدا من أهم الأسباب التي أنتجت العناية الفائقة بالتاريخ وفروعه ومعطياته؛ من الكشف عن الآثار إلى دراسة البيئات وما يعتمل في كلّ منها، إلى الإقبال على البحوث الاجتماعيّة وخصائص السلالات البشرية وتأثر الأديب والفنان بما يحيطه من ظروف، ويتقدمه من أمثلة وما كان يأمل يطمح  إلى تحقيقه  في إنتاجه على الصعيدين الشخصي والعام". ليستعيد بذلك النقد مكانته ووظيفته بظهور هذه المناهج لاعتمادها على قواعد ومقاييس وأسس نظريّة مكنت الناقد من فهم القيم الأدبية، والتغلغل في أعماق النص الأدبي وذلك بفحصه والكشف عن جمالياته ومآخذه من خلال تفاعل عناصره.

    ومن المناهج السياقية التي عنيت بدراسة النص الأدبي دراسة خارجيّة المنهج التاريخي.

    1.   النقد التاريخيCritique Historique " النّشأة والتطوّر":

    يعنى النقد التاريخيّ بدراسة الظواهر والمؤلّفات والشّخصيّات الأدبيّة التي عدّت المرآة العاكسة لعصورهم، فيعقل فيه الناقد الأهميّة البالغة للتفسير أكثر من عنايته بالحكم والمفاضلة، باعتبار أنّ التفسير يمكن القارئ الناقد من الخروج بأحكام لنفسه. وهذا التّفسير يتطلب معرفة بالماضي السابق وبالآمال التي كانت تجول بنفوسهم، ومعرفة بالحاضر، وبكلّ الظروف التي أحاطت بهذا المؤَلَّفِ وبكلّ ما ألّفه الكاتب من قبل حتّى يكون حكمه صحيحا وشاملا. فهو بذلك يرتكز على" العامل الزمني وبدوره في الإنتاج الأدبي، وبتوثيق النصوص والتأكد من نسبتها إلى أصحابها، كما يعنى بتأثّرها وتأثيرها على المستويين الوطني والعالمي، ويولي اهتماما كبيرا بالأدباء مؤلفي النصوص فيبحث في عوامل تكوّن الأديب، من محيط وأسرة ونشأة  وتعلم ووقائع حياة، وخصوصا ما له علاقة مباشرة بالعمل الأدبي موضوع الدراسة، ويبحث في العلاقات بين الأدباء والنصوص، وما يفضي إلى رصد الظواهر الأدبية ووصفها وتفسير نشوئها". وعليه فإنّ النّقد التاريخيّ يسعى إلى دراسة العمل الإبداعي بالوقوف على الظّروف التاريخية التي أحاطت ببنائه، متتبّعا حياة الأدباء تتبّعا دقيقا وذلك بدراسته للأدب وتأريخه له ولشخصياته التي قدّم لها ترجمات وسيرا، كاشفا بذلك عن حياتها وأصلها وارتباطها بجنسها وانتمائها، وثقافتها وقيمها وأهوائها وعاداتها وتقاليدها..إلخ، مستقصيا بذلك مختلف المظاهر؛ أدبيّة، مادية، نفسيّة، اجتماعية، أخلاقيّة..، وكل ما يصبّ في وعاء  المؤلِّفِ على حدّ تعبير سانت بيف.

     وقد شبهه عبد السلام المسدي هذا المنهج بـ" سلسلة من المعادلات السببيّة، فالنص ثمرة صاحبه، والأديب صورة لثقافته، والثقافة إفراز للبيئة، والبيئة جزء من التاريخ، فإذا النقد تأريخ للأديب من خلال بيئته". فالناقد بعد عصر التنوير أبدى اهتمامه بالعلاقة التي تربط بين الأديب وعصره وبيئته ومجتمعه مرتكزا في ذلك على الجانب النفسي والاجتماعي والتاريخي، متّخذا من النص وثيقة تاريخية يدرس ويفسر بها ظاهرة أدبية متتبعا مسارها ومراحل التي مرّت بها عبر العصور، يقول غوستاف لانسون "يدرس هذا المنهج النصّ بغية معرفته من مختلف الجوانب، ومنها خصائصه الأدبية وأصالة الأدباء، والماضي الممتدّ فيهم والحاضر الّذي يتسرّب إليهم". ويضيف الناقد قسطاكي الحمصي: " اعلم أنّ القصائد القصصيّة المشهورة، والنّوادر المدهشة والحكايات والرّوايات، لا تنحصر فوائدها في فصاحة التّعبير وبلاغة السّبك، بل لها فوائد تاريخيّة فوق ذلك، فإنّ إلياذة هوميروس الشّاعر اليونانيّ، ورواية هاملت للشّاعر الإنجليزي شكسبير، ومعلّقة امرئ القيس، وحكايات كليلة ودمنة، وما أشبه ذلك، كلّها تنطق بأفصح بيان عن زمان تأليفها، وكشف أحوال تلك العصور، وعوائد وأخلاق أهلها، ومعتقداتهم وأزيائهم، يستشفّه طرف النّاقد بأدنى لمح، فهي في الحقيقة تلخيص تاريخ قوم بعينهم". ليجمع هو بدوره بين التاريخ والأدب، على اعتبار أنّ الصلة بينهما وثيقة "فأدب أمّة من الأمم يعدّ تعبيرا صادقا عن حياتها السياسية والاجتماعيّة، ومصدرا مهذّبا من مصادرها التاريخيّة، ذلك بأنّ الأدب يلمّ بروح الحوادث والأطوار المتعاقبة فيصوّرها ثمّ يتأثّر بها، فيستحيل في موضوعاته وفنونه وأساليبه تبعا لما تستدعي الأحداث، وتقتضي به الشؤون الجارية"، ليشركوا بذلك الأحداث والصراعات السياسية التي كان لها الأثر البارز على الأعمال الأدبية التي عكست صدق التجربة وصدق التعبير في نقل الوقائع، لتظهر عملية التأثير والتأثر بين الوسط – البيئة- والنص الّذي نشأ فيه، ولتفسير هذه الظواهر وتعليلها لا بد أن تكون لدى الناقد معرفة بالظروف التي أحاطت بها، وبتاريخها السياسي والاجتماعي وبصحّة نسبتها لصاحبها.

    2.  أبرز نقاده الغربيين:

    من النّقّاد الّذين تبنّوا النقد التاريخي ومثّلوه:

    1.1     فيلمان (Villeman): يعدّ من رواد تاريخ الأدب و"أوّل من عقد الصلة بين الأدب والتاريخ، متّخذا من هذا الأخير "وسيلة لفهم الأدب وتفسيره وتعليل مزاياه في بيئته"،  مقدّسا في ذلك الموضوعيّة في الممارسة النقديّة بأدواتها المنهجيّة وقواعدها وقوانينها ومناهجها، داعيا إلى البعد عن الذاتية والذوق الشّخصيّ والعواطف والأهواء والتّعصب أو التحيّز في تتبّع الأثر؛ و"الأثر حسب رأيه هو مشكلة لا يظهر حلّها إلا بتحليل الأوساط والبلد والحضارة، كل هذه العوامل عاين نشأتها. ولتوضيح أثر يجب أن نتذكّر أوّلا أنّ مهمّة الأدب لا تقتصر فقط على نقل تقاليد المجتمع، وإنّما تتعلّق وفق فنونه، ببعض حوادث هذا المجتمع".

    1.1       سانت بيف(Sainte Beuve) 1804- 1869: "أوّل ناقد فرنسي سعى إلى تأسيس تاريخ طبيعيّ للأدب في عصره"، وذلك بوقوفه على أعمال أدبائه بالدراسة والشرح والتحليل، متّخذا "من سير الأدباء والتعرف على حياتهم الخاصّة سببا إلى فهم آثارهم ونقدها ما دامت هذه الآثار صادرة عنهم مباشرة، تمثّل نفوسهم ومقدار تأثّرها بعوامل البيئة الفكريّة والسياسيّة والاجتماعيّة الّتي خضعوا لها". محددا بذلك منهجه النقديّ القائم دراسة النص دراسة سياقيّة ترتكز المؤشرات والعوامل الخارجيّة؛ على تصوير شخصيات الأدباء وسيرهم وبيئتهم، ومختلف مظاهر حياتهم المادية، العقليّة، والخلقيّة.

    3.2 تين (Hippolyte Taine) 1828- 1893: وهو يعدّ من النقاد الفلاسفة والمؤرّخين الفرنسيين الّذين حملوا لواء الدعوة إلى المنهج التاريخي متأثرا في ذلك بآراء أستاذه سانت بيف، "ليعطيا للمنهج التاريخي اسمه الجديد في مناهج النقد الأدبي أوّل مرّة"، إذ نجده يحدّد طبيعة هذا المنهج بقوله:" يقتصر المنهج الحديث الّذي أحرص على اتّباعه على اعتبار الآثار الإنسانيّة بنوع خاص كوقائع ونتاجات، يجب أن تحدّد سماتها وتبحث أسبابها لا أكثر، إنّ العلم حسب هذا المفهوم لا يدين ولا يسامح، إنّه يعاين ويشرح..، إنّه يفعل مثل علم النبات الّذي يدرس بنفس الاهتمام شجرة البرتقال وشجرة الصّنوبر، وكذلك شجرة الغار..، إنّ هذا العلم هو نفسه نوع من علم النبات التطبيقي، لا يطبّق على النبات ولكن على المؤلّفات الإنسانيّة"، متحرّيا في ذلك الموضوعيّة في إصدار الأحكام، "ليطبّق على الأدب مذهب الجبريين، وجعله ثمرة محتومة لعلل ثلاثة يدرس النصوص الأدبية ويفسّرها في ضوئها، باعتبارها التربة التي نشأت فيها وتغذت منها واكتسبت منها خصائصها ومبادئها وسماتها وصولا إلى فهم ثمارها، يقول محمد مندور: " ليس الأدب- أي الإنتاج الأدبيّ- منفصلا في نظري عن الإنسان، فباستطاعتي أن أتذوّق مؤلّفا أدبيّا، لكنّه من الصّعب أن أحكم عليه دون معرفة بالكاتب نفسه، وذلك لأنّه كما تكون الشّجرة يكون ثماره، وهكذا تقودني الدراسة الأدبيّة إلى الدراسة الإنسانيّة قيادة طبيعيّة، وتتمثّل هذه الثلاثيّة في:  

    -      الجنس (العرق) Rrace: إنّ طريقة التفكير والتعبير والتصوير تختلف فيها الأجناس البشريّة، وذلك يعود إلى الخصائص الفطريّة الوراثية المشتركة بين أفراد الأمّة الواحدة، ولكلّ جنس طبائع وخصائص تتميّز بها عن غيره، تمثّل خلاصة تكوينه وصفاته المكتسبة التي تظهر في نتاجه الفكريّ.

    -      المكان أو البيئة (Milieu): تعني عنده مجموعة الخصائص والمميزات الإقليميّة- الجغرافيّة- التي يحيا فيها أديب ما، تنزع إلى المثل العليا والتعبير عن النفس الإنسانية التي يسعى إلى تربيتها من خلال دعوته إلى الأخلاق المثلى، لتترك أثرها في النص الأدبي لتظهر انعكاساته الاجتماعيّة فيه.

    -     الزمان أو العصر (Temps): وهو مجموع الظروف السياسيّة والثقافيّة والدينيّة الّتي تسود مجتمعا ما، في حقبة زمنيّة يحيا الأديب في ظلّها وينشأ فيها أدبه الّذي عدّ مرآة  عصره.

    4.2       غوستاف لانسون(Gustave Lonson):  يعتبر الرائد الأكبر في النقد لهذا المنهج، متّبعا في ذلك خطى من سبقة من أسلافه والبعض من معاصريه في دراسته للأدب الفرنسي والأوروبي، إذ نجده يصرّح عن هويّته المنهجيّة في محاضرة بجامعة بروكسل سنة 1909 حول " الرّوح العلميّة ومنهج تاريخ الأدب بقوله: " دراستنا تاريخيّة، ومنهجنا سيكون إذن منهج التاريخ".

    5.2       فرديناند بْرونْتْيير(Fardinand Bruntière) 1849- 1906: ناقد ومفكّر وفيلسوف فرنسي، تأثّر بنظريّة التطوّر لعالم الأحياء تشالز داروين Charles Darwin العلمية في النشوء والارتقاء التي طبّقها على الكائنات العضوية، في حين أنّ برونتيير طبّقها على الأنواع والأجناس الأدبيّة الّتي صنّفها إلى فصائل تتوالد، تنمو وتتكاثر، يحلّ بعضها مكان بعض إلى أن تزول وذلك في كتابه الموسوم بـ: تطوّر أنواع الأدب، وهو عبارة عن مجلّدات تناول في كلّ واحد منها دراسة تطوّر فنّ من الفنون الأدبيّة، متقصّيا أصول كلّ فنّ منها، فوقف على نشأته، متتبعا مراحل تطوّره واستوائه إلى أن يصل مرحلة النّضج والكمال، أوتلاشيه وانقراضه  كما انقرضت بعض الفصائل الحيوانيّة، ليظهر بذلك تأثير هذه النظريّة على الأدب والنقد بالتماسه تطبيق القانون العضوي "على ثلاثة ضروب من الأدب وهي المسرح، الشّعر الغنائي والنقد الأدبي فكتب: تطور النقد، عصور المسرح الفرنسي، تطوّر الشعر الغنائي في القرن التاسع عشر"، إذ نجده يصرح بدوره تبنيه هذه النظريّة بقوله:" إنّ نظريّة التطوّر في الأدب لا ترمي إلى بعث الماضي، وإنّما ترمي إلى فهمه واستنباط قانونه، إنّها لا تطمح أن تقول كلّ شيء بل تكتفي بالضّروريّ، إنّها لا تقصّ بل تفسّر، هدفها.. هو أن توضّح تسلسل مئات العوامل العميقة الخفيّة التي تزدهر..خلال التاريخ، وردّ فعل كلّ تلك العوامل..، إنّها توضّح كيف تولد الأنواع الأدبيّة، و ما هي عوامل الزمان والبيئة الّتي أشرفت على ميلادها..، كيف تتميّز تلك الأنواع وتتباين، وكيف تنمو وتتطوّر كما يتطوّر الكائن الحيّ وكيف تأخذ صورة عضويّة..، كلّ ما يخدمها ويغلبها ويعينها على النّموّ، ثمّ كيف تموت، وما هي عوامل الفقر والانحلال الّتي تصيبها، وكيف يؤدّي التطوّر إلى ميلاد نوع جديد يجمع عناصره..، هذا هو منهج الدراسة على أساس نظريّة التّطوّر، وذلك هو هدفها". ليحدد بذلك القوانين التي تخضع لها من تحليل وتفسير وتتبع لمراحل تطور وتكاثر هذه الأجناس الأدبية بعد تصنيفها والكشف عن العلاقة التي تربط بينها، أو تلاشيها فأفولها عبر العصور شأنها شأن الفصائل الحيوانيّة، مع تطبيقه تلك النظريات في دراسته النقدية باتكائها على المنهج التاريخيّ الجديد الّذي يتحرى فيه الموضوعيّة، ويرتكز فيه على الشّرح والتبويب الّذي يعدّ امتدادا لرؤيته ورؤية هيبوليت تين ليصل بعدها إلى الحكم.

    2.  ملامح المنهج التاريخي ودوره في بلورة النقد العربيّ الحديث:  

    تعود ملامح النقد التاريخي في الوطن العربي لبدايات الربع الأوّل من القرن العشرين، حيث دعا نفر من النقاد العرب المحدثين الّذين تتلمذوا على يد رموز المدرسة الفرنسيّة إلى مسايرة الاتجاه الغربيّ في دراسة بعض مظاهر الأدب العربي، والصلات التي تربط بينه وبين التاريخ وفق هذا المنهج نذكر منهم:

    1.2     عبّاس محمود العقاد: ظهرت آثاره في بعض مؤلّفاته من بينها كتاب: ابن الرومي " حياته من شعره" متبنّيا صدى هذا المنهج، مرتكزا في ذلك على مسألة العرق التي حاول أن ينفذ عبرها إلى فهم شخصيّة المبدع، ويظهر ذلك في قوله: " وما من شكّ في أنّ الشّاعر الّذي تنحدر من أصل يونانيّ أيّا كان مقرّه، غير الشّاعر الّذي تحدّر من أصل عربيّ أيّا كان مقرّه". كما أنّ معرفة البيئة حسب ما ذكره هي بدورها تعدّ أمرا ضروريّا في النقد، وهذا ما وضّحه في كتابه شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي بقوله:" أثر البيئة على شعرائنا الّذين ظهروا منذ إسماعيل قبل الجيل الحاضر، هو موضوع هذا الكاتب، ومعرفة البيئة ضروريّة في نقد كلّ شعر في كلّ أمّة، في كلّ جيل..، ولن يتيسّر لنا أن نفهم الأطوار التي عبّر الشّعر المصري الحديث بغير فهم هذه البيئات".

    1.2       طه حسين: يعد من النقاد الّذين تبنوا المنهج التاريخي، مبديا تأثّره بكوكبة من رموز المدرسة الفرنسيّة الّذين كان لهم الإسهام الكبير في بلورته، أما كتاباته فكانت امتدادا وتطويرا له. ويظهر أثر هذا المنهج في أطروحته الّتي نال بها شهادة الدّكتوراه حول  "تجديد ذكرى أبي العلاء"، محاولا أن يقف على أبعاد الشّخصية وتغيير جوانبها وربطها بعصرها وبيئتها بعد قراءة آثارها. مصرّحا في ذلك بإيمانه بأبعاد هذا المنهج الّذي سعى من خلاله جمع معلومات عنه وعن عصره وبيئته والكشف عن فلسفته من خلال أشعاره، ليخلص إلى ما يلي: "وإذا صحّ هذا كلّه فأبو العلاء ثمرة من ثمرات عصره، قد عمل في إنضاجها الزّمان والمكان والحالُ السياسيّة والاجتماعيّة والحال الاقتصاديّة، ولسنا بحاجة إلى ذكر الدّين فإنّه أظهر أثرا من أن نشير إليه"، إضافة إلى كتاب "حديث الأربعاء"، حيث وقف الناقد طه حسين على غرض شعر الغزل بنوعية العفيف والماجن، ساعيا من خلاله دراسة شخصيّة الشاعر -عمر بن أبي ربيعة- التي عدّها مصدر بحثه متّخذا إياها دليلا للكشف على روح عصره، متتبعا سيرته وأسرته وظروف نشأته-السياسيّة والاقتصاديّة- وواقعه وعصره، ويظهر ذلك في قوله: "وإذ قد بيّنا أنّ الرّجل خاضع في أدبه وعلمه لزمانه ومكانه، فليس لنا بدّ من أن نقدّم بين يدي هذا الكتاب فصلا في عصر أبي العلاء وآخر في بلد، ولمّا كانت الأسرة أشدّ ما يحيط بالرجل أثرا فيه، خصصنا فصلا آخر لأسرة أبي العلاء، وإذا فرغنا من هذا كلّه عمدنا إلى الحياة التاريخيّة للرّجل ففصّلناها تفصيلا، ثمّ انتقلنا إلى منزلته الأدبيّة فبيّنا قسمته من الشّعر والنّثر وخصائصه فيهما، ثمّ إلى منزلته العلميّة فشرحناها شرحا مستوفيا، وبعد هذا كلّه تناولنا فلسفته فاجتهدنا في أن نكشف عنها وتجلّيها". فهذه الدراسات التاريخيّة المنهجيّة تعكس شغفه وافتتانه بهذا المنهج، معتمدا في ذلك على مبدأ الشّك الّذي عدّه من أصول المنهج التاريخيّ في كتاباته التاريخيّة، وأساسا في تفسير الأعمال الأدبيّة للتّوصّل إلى اليقين فهو يريد " ألاّ نقبل شيئا مما قال القدماء في الأدب وتاريخه إلاّ بعد بحث وثبت، إن لم ينتهيا إلى اليقين فقد ينتهيان إلى الرّجحان"، فهو بذلك يرفض آراء القدماء ولا يثبتها إلا بعد بحث وتقصّ قبل إصدار الحكم، فكان بذلك منهجه منهجا ديكارتيا يقوم على مبدأ الشّك  للوصول إلى اليقين.

    3.3 محمد مندور: هو بدوره يعدّ من النقاد العرب الّذين دعوا إلى هذا المنهج،  وذلك في كتابه " النقد المنهجي عند العرب" الّذي قال فيه:" إنّنا نفضّل الأخذ بالمنهج التاريخيّ حتّى نحاول أن نضع للنقد حدّه، وهذا هو المنهج الّذي استقرّ الباحثون على جدواه منذ أوائل القرن التاسع عشر، وبفضله جدّدت الإنسانيّة معرفتها بتراثنا الروحيّ وزادته خصبا".

    3.   خصائص المنهج التاريخي وحدوده:

    وانطلاقا مما سبق ذكره يمكننا استنتاج سمات المنهج التاريخي ومبادئه والمتمثّلة في:

    -      اتّخاذه من سير الأدباء سببا في فهم آثارهم ونقدها بتفسيرها وتعليل مزاياها بربطها ببيئتها ومجتمعها مادامت هذه الآثار صادرة عنهم مباشرة، ملخّصا بذلك تاريخ قومهم وعصرهم.

    -      اعتماده على البحث والتحليل، وحسن التتبع والاستقراء المشهور من الوثائق والاستنباط للوصول إلى الحكم،" فالناقد الجاهل بالتاريخ الأدبيّ، يعرض نفسه لمنزلق خطير، ذلك أنّ تاريخ الأدب شديد الأهمية للنقد الأدبيّ..، والناقد الّذي يقنع بجهله في حقل العلاقات التاريخية سرعان ما يضل في أحكامه الأدبية، فليس باستطاعته أن يعرف أي الأعمال أصيل وأيّها منقول، ولا بدّ أنّه من خلال جهله بالشروط التاريخيّة سيخطئ على الدّوام في فهم عمل فنّيّ معيّن". وعليه فعلى الناقد أن يكون مبصرا بمختلف فروع المعرفة لإنارة النصّ، والكشف عن الملابسات التاريخية والاجتماعية والطبيعية المتعلقة بتلك الفترة قبل إصدار حكم على روح العصر، دون إغفال الشخصية التي تعدّ محور اهتماماته، بضرورة ربطها بعصرها وبيئتها ووسطها والغوص في أعماقها بالكشف عن أبعادها، باعتبارها أثر من آثارها وظروفها.       

    -      ضرورة التأريخ للأحداث بالاعتماد على التحقيق والاستقصاء، بالاتكاء على النصوص التي تمثل تلك الحقب الزمنيّة المدروسة.

    -      ربط الأحداث والوقائع التاريخية بالزمان والمكان مفسرا غوامضه وشارحا خلفياته.

    -      اهتمامه "بمصادر النص، وتاريخه، وجنس مبدعه، وعصره، وبيئته".

    -      اعتبار النص وثيقة تاريخية يدرس ويفسر بها ظاهرة أدبية، متتبعا مسارها ومراحل التي مرّت بها عبر العصور.

     

    4.   مآخذ المنهج التاريخي:

     يمكننا إجمالها فيما يلي:

    -      اقتصاره على تفسير تشكّل خصائص اتجاه أدبيّ في جيل أو أمّة ما.

    -      يعين على فهم بواعث نشوء الظواهر الأدبيّة والتيارات الفكريّة، والموضوعات المرتبطة بتحوّلات المجتمع ومجرياته السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة ونموها واختفائها، من ذلك شعر الخوارج والشيعة اللذان نجدهما يرتبطان بحقبة زمنية معيّنة، وشعر الزهد الّذي برز في العصر العباسيّ..إلخ.

    -      لا تتعدّى فائدته معطيات الفهم والتفسير، إذ أنّها تبقى عاجزة على أن تكون وسيلة لتقويم الظاهرة الأدبية وتوصيفها والحكم عليها.

    -      ينظر إلى الظاهرة الأدبيّة في علاقتها بمحيطها أو منشئها، جاعلا من الأدب وثيقة من الدرجة الثانية، مهمّتها دعم مصداقيّة الوثيقة الأولى – البيئة-بأن تكون شاهدا عليها.

    -  اهتمامه بمنشأ الظاهرة الأدبية مقارنة بالنتاج الإبداعي، موْئل اهتمام النقد وميدانه الأساس.

    -  صعوبة الوصول إلى وثائق ومعلومات تكشف عن ملابسات عصر الأدباء القدامى وتياراتهم، وهي تعدّ المعين في تتبع آثارهم ودراستهم، تلك "التماثيل المهمّشة" كما نعتها سانت بيف لا تعين على الاستقراء والتحليل والتفسير مقارنة بالأدباء المحدثين.

    -      " تحول الدراسة إلى جمع لا تذوّق بسبب بقاء البعض رهين العصر الّذي يدرسه وهو تحت أكداس من المصادر..، ليعزلوا بين النقد الأدبي تاريخ الأدب بحجاب كثيف".