المحاضرة السابعة: جماعة الرابطة القلمية
Section outline
-
جامعة مرسلي عبد الله ''تيبازة''
معهد: اللغة والأدب العربي
مقياس: النقد الأدبي الحديث المستوى: الثانية ليسانس/ تخصص: دراسات لغوية
أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالثالمحاضرة الثامنة: جماعة الرابطة القلمية
تزامنت الحركة الأدبيّة المهجرية في أمريكا الشمالية، مع حركة مدرسة الدّيوان في مصر، فحملت لواء التّجديد في الشّعر وبثّت فيه الحياة من جديد، فمتى تأسست هذه الجماعة؟. ومن هم أشهر روادها؟. وما هي خصائص أسلوب شعرائها؟.
1. نشأتها وأشهر روادها:
تأسست الرابطة القلميّة في أمريكا الشّماليّة –نيويورك- سنة 1920، فكانت أوّل مدرسة أدبيّة منظّمة تدعو إلى التجديد للنهوض بالأدب العربي الحديث؛ أدب يحمل طابعا خاصا في التعبير عن الذات الشاعرة؛ عن تجربة شعرية صادقة، عن عواطفها وانفعالاتها الشعوريّة، عن الحياة وأسرارها، عن النفس البشرية ومكنوناتها مجسدة بذلك آراءها النقدية من خلال خصائص أسلوب شعرائها التي استمدوها من الأدب الغربي الّذي تأثروا بأفكاره الجديدة عن طريق الاحتكاك والمثاقفة، حاملة شعارا صممه جبران خليل جبران: "لله كنوز تحت العرش مفاتيحها ألسنة الشّعراء، معلنين رأيهم في الأدب بمقولتهم الشّهيرة : الأدب هو الّذي يستمدّ غذاءه من تربة الحياة و نورها وأدبه"، ليجمع أدبهم بين الطبيعة الإنسانية والطبيعة الخارجية ومظاهرها. فالشعر فنّ والفن إبداع يعكس دقّة التفكير وعمق الإحساس، " والأديب هو الّذي خصّ برقة الحسّ ودقة التفكير، وبعد النظر في تموّجات الحياة وتقلّباتها، وبمقدرة البيان عمّا تحدثه الحياة في نفسه". إنّه تعبير عن تجربة وجدانية نتيجة انفعال وثورة وتفكير، فهو شعر الشوق والحنين، شعر التحسس بالطبيعة التي بات يطلب منها أن تقرئ السلام للأهل والأحبّة والخلان، "فكانت نزعة شعرائها التّجديديّة بدء الانطلاق إلى فهم رسالة الأدب على حقيقتها"؛ نزعة رومانسية تقدّس الصدق العاطفيّ وحرية الخيال، متصدية للتيار التقليدي المحافظ الذي مجد التراث القديم بمحاكاته خصائص أسلوب شعرائه، ساعية إلى تقويض حصونه؛ ذلك الأدب الّذي عُنى بالصّناعة اللفظيّة وتجويد الأسلوب والمبالغة ووحدة البيت واستقلاليته، والاعتداد بالعقل الّذي أخضعه لسلطانه.
معلنة تحرر شعرها من الكلاسيكيّة المحدثة وقيودها، فأنتجت أدبا جمعت فيه بين أصالة الشرق ومظاهر الغرب، لتشق طريقها نحو التجديد شأنها شأن مدرسة الديوان وأبولو متبنية نفس مبادئها وخصائص أسلوب شعرائها. وما جعل أدباءها يتميّزون بإبداعهم الرياديّ عن سائر أدباء المدارس الأدبية الحديثة الأخرى، بحدسهم المتيقظ وموهبتهم الصّائبة ورؤيتهم المختلفة وحرّية التعبير التي فقدوها بفقدانهم استقرارهم السياسي والاجتماعي في وطنهم، وتأثرهم بالثقافة الغربية التي دفعت بهم إلى تجديد شباب الشّعر والأدب باللّون الغنائيّ الوجدانيّ النّفسي العميق، وبدعوتهم إلى الثّورة على كلّ ما هو قديم شكلا ومضمونا، فلاذت بالشّعر المجنّح بأشجان العاطفة الزّاخر والممعن في الخيال وحبّ الطبيعة والامتزاج بها؛ شعر يعبّر عن خلجات الشاعر وعواطفه وأحاسيسه ورغباته وأهوائه، عن طريق الصورة الشعريّة والموسيقى.
أعضاؤها عشرة سعوا جاهدين إلى إرساء دعائم المذهب الرومانسي وهم: جبران خليل جبران (عميدها)، ميخائيل نعيمة( مستشارها) ومفكرها وقاصها وشاعرها، كما أنه يعتبر من أبرز نقادها الّذين قادوا النهضة الفكريّة والثقافية من خلال دعوته إلى التجديد، وليم كاتسفليس(خازنها)، إيليا أبو ماضي الذي يعدّ من أعمدة الشعر العربي الحديث، نسيب عريضة، بالإضافة إلى عبد المسيح حدّاد، رشيد أيّوب، ندرة حدّاد، وديع باحوط وإلياس عطا الله. فهؤلاء الشّعراء تذوّقوا الأدب الغربي وتشرّبوا من روحه الرّومانسيّة، رافعين لواء الثّورة على القديم " ليتحرر الشعر المهجريّ بشكل نهائي من هتافات القريض التقليديّة- المدح، الفخر، الهجاء والرثاء- وراح يعتمد على قول موسيه: اضرب القلب"، فوصفوا في شعرهم لوعة الهجرة والشّوق والأحاسيس الإنسانيّة، والكون والحياة بما فيهما من أسرار وقوى، كما وصفوا الإنسان الحائر الّذي حاول التّفلسف، لتُحًمِّلهم قضيّة الإنسان هموما لا تُعدّ ولا تُحصى.
سمّي أدب الرّابطة القلميّة بالأدب المهجري بسبب هجرة مجموعة من الشّعراء من بلاد الشام إلى أمريكا الشمالية والجنوبية، حيث أسّسوا بها مدارس أدبيّة من بينها الرّابطة القلميّة وتعود أسباب هجرة الشّعراء العرب إلى:
- الإرساليات التّبشيريّة والمنشآت الّتي أنشأها الأمريكيّون في سوريا ولبنان ما جعل الأدباء العرب يتأثرون بالقراءات والاطلاعات الأجنبية.
- المدارس الّتي بنوها لتعليم الصّغار والكبار، لتعتبر هذه الأخيرة من أهمّ العوامل الّتي وثّقت الصّلة بين أهل سوريا ولبنان وأمريكا.
- الروح الذي كانت تتسم به أمريكا، فعلى الرغم من الأنظمة المتسلطة في أمريكا، كان بوسع الشعراء العرب والكتاب مهاجمة حكوماتهم ورجال الدين في بلادهم.
- جوّ العصبيّة الّذي كان يخيّم على العثمانيين بعد خضوعهما للحكم العثماني في القرن التّاسع عشر وبداية القرن العشرين؛ كان حكما استبداديا ظالما وجائرا، ما جعل أهل الشّام ينزحون عن وطنهم متّجهين إلى أمريكا، ينشدون الحرّية يتوقون إلى العدل والمساواة.
- الفرار من الحكم التركي والهروب من الاضطهاد السياسي والفاقة والعوز والصراع الطبقي، ملتمسين في ذلك واقعا جديدا، ورزقا وحياة حرة كريمة؛ وهو هروب من واقع أليم جثم على صدر الأحرار، آملين تحقيق أهدافهم الّتي وُئدت في غياهب الجور والطّغيان السّياسي.
- التأثير الثّقافي وجوّ الحّرّيّة الّذي أغرى الشّاميين، وجعل رغبتهم قويّة في الهجرة إلى أمريكا.
- طبيعة أهل الشام وحبهم الرحلة و التّرحال، "فلا يضير السوريّ أو اللبنانيّ أن يهاجر إلى أيّ مكان يستطيع أن يجد فيه اليسر والرخاء، والاطمئنان الحيويّ، والأمن على النّفس والمال لأنّ حبّ الهجرة والاغتراب وحبّ السّعي في الأرض وحبّ التجارة والعمل من أجل الحياة، كلّه كالغرائز المتأصّلة في نفسه العميقة في مسارب دمه"، وهذا ما عبّر عنه نسيب عريضة في قصيدته "حكاية مهاجر سوري" بقوله:
غريبا من بلاد الشّرق جئـــــت
بعيدا عن حمى الأحباب عشـت
اتَخْذت أمريكا وطنا عزيـــــزا
فكانت لي كأحسن ما اتّخــذت
أتاها للغنى غيري وإنّـــــــي
كما جاؤوا مع الإقدام جئـــت
ولكنّني طلبت بها حيـــــــاة
مع الحرّيّة المثلى فنـلــــت
استطاعت الرّابطة القلميّة أن تنهض بالشّعر العربيّ بالمهجر، فعلى الرّغم من الغربة القاسية للذّات المبدعة، إلاّ أنّ أدبهم لم يتوقّف عن مسيرته فأصبح له مناصرين في كلّ مكان، موضّحة من خلاله مدى إغراق المهجريّين في التأمّل في كلّ مجالات الوجود وما وراءه والنّفس الإنسانيّة، والطّبيعة وما وراءها وقيم الحياة من خير وشرّ وحبّ وبغض، حيث اعتبر ميخائيل نعيمة الأدب رسولا بين نفس الكاتب ونفس سواه. والأديب الّذي يستحقّ أن يدعى أديبا هو من يزوّد رسوله من قلبه ولبّه، وهذا لا يتأتّى إلاّ بالابتعاد عن الزّخرفة اللّفظيّة والبهرجة. وقد استمرّت الرّابطة القلميّة إلى سنة 1931م، لتتبعثر بوفاة جبران ثمّ رشيد ونسيب عريضة، ثمّ بعودة ميخائيل نعيمة إلى لبنان.
3. خصائصها:
تبنّى شعراء هذه الحركة الأدبيّة التجديدية نفس المبادئ التي تبناها رواد مدرسة الديوان وجماعة أبولو، وإن دلّ على شيء فهو يدلّ على "الانتماء إلى فكر مشترك ومدرسة واحدة" تجمعها نفس الأفكار والآراء، وتتمثّل هذه الخصائص في:
أ) الدعوة إلى الوحدة العضويّة.
ب) التّمرّد على الأوزان العروضيّة والتنويع القافية والتحرر منها.
ت) الاهتمام بالصّورة الفنّيّة في تشخيص المعاني وتجسيدها.
ث) البعد عن الغرابة والتّكلّف المقيت لألوان البديع.
ج) التساهل في الاستخدام اللغوي.
ح) اتّخاذ القصّة وسيلة للتّعبير.
خ) استخدام الرمز.
د) الاهتمام بموسيقى اللفظ: مما أدى إلى ظهور الشعر المنثور الذي تبلور على يد الريحاني وجبران خليل جبران، إلا أنّه لم ينضج إلاّ في منتصف القرن العشرين.
أ) الابتعاد عن الخطاب المباشر.
ب) محاورة الطّبيعة والامتزاج بها وبثّ الحياة فيها.
ت) الحنين إلى الوطن والدّفاع عن قضاياه: فالذات الشاعرة جزء لا يتجزّأ من الأمّ الحانية الموطن الأصلي الذي عبّروا عن انتمائهم له، وعن لوعة شوقهم وحنينهم بسبب بعدهم عنه، لتفيض بذلك قرائحهم بنظم شعر يعكس شعورهم بالغربة في وطنهم الجديد، حيث افتقدوا فيه التوازن النفسي؛ بين الذات والواقع الغيري الذي يفتقر للقيم السامية والمثل العليا التي طالما تغنوا بها في قصائدهم التي غلبت عليها مسحة تشاؤميّة، عكست تجاربهم الشعرية المريرة بسبب بعدهم عن الأوطان والأهل والأحبّة والخلان.
ث) النّزعة الإنسانيّة الشّاملة تأمّل النّفس الإنسانيّة وتحليلها وتصويرها بدقّة: وذلك من خلال تفاعلهم مع الإنسان بغض النظر عن لونه وجنسه، ناقمين على الظلم والظالمين الّذين حرموا الأوطان من التمتع بالحرية والاستقلال، وساعين إلى الإعلاء من شأن النفس البشريّة بالدعوة إلى الخير والحب والجمال وخلق مجتمع يسوده العدل والمساواة، فالشاعر هو قلب الأمة النابض الّذي يعبّر عن المواقف وعن الذات الإنسانية بهدف الوصول إلى حلول لمشاكلها ورفع الستار عن عوالمها.
وقد حاولنا في هذه الخريطة المفاهيميّة تلخيص كلّ ما سبق الإشارة إليه عن المدارس الأدبيّة الحديثة الثلاثة.
