Résumé de section

  •  

    جامعة: مرسلي عبد الله ''تيبازة''

    معهد: اللغة والأدب العربي

       مقياس: النقد الأدبي الحديث                              المستوى: الثانية ليسانس/ تخصص: دراسات لغوية                 

      أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالث

    المحاضرة السادسة: جماعة أبولو

     

    1.  جماعة أبولو "ظهورها، نشأتها وأشهر روادها":

    تعدّ جماعة أبولو ثاني مدرسة أدبية قامت على أنقاض جماعة الدّيوان، فكانت امتدادا لها ورافدا من روافدها تستقي أفكارها من ينابيعها، لتنحو هي بدورها منحى التّجديد بمقاييسها ومبادئها وخصائصها الشعرية وآرائها النقدية التجديدية التي تتوافق والمعايير النقدية التي تبناها شعراء مدرسة الديوان، متأثّرة بالمذهب الرومانسي عند الشعراء الإنجليز والشعراء المهجريين، الّذين تشربوا واغترفوا أصول الشعر الحديث وصياغته التعبيرية من مناهل الثقافة الغربية (الفرنسية والإنجليزية) عن طريق الاتصال المباشر أو غير المباشر بترجمة المنخرطين فيها أدب دي موسيه، فيكتور هوجو، شكسبير..إلخ ونشره في المجلة. وقد عُدّ خليل مطران الأب الرّوحي للمذهب الرومانسي، وأوّل شاعر ابتداعيّ مهّد لظهور هذا التيار الفكري والأدبي والنقدي، وهذا ما أشار إليه أبو شادي الّذي أقر بأستاذيته له في الشعر وذلك في قوله: "فما نشوء الشعر المرسل ولا الشعر الحرّ، ولا ما بلغناه من الحركة التجديدية للنظم، وما نتناوله من الموضوعات الإنسانية والعالميّة إلاّ الرقيّ الطبيعيّ لرسالة مقران، وأوّل تعاليم مطران ترك النفس على سجيّتها وترك التصنّع"، ويضيف قائلا: "إنّه لولا مطران لغلب على ظنّي أنّي ما كنت أعرف إلاّ بعد زمن مديد معنى الشّخصيّة الأدبيّة، ومعنى الطّلاقة الفنّيّة ووحدة القصيدة والرّوح الحالية في الأدب، وأثر الثّقافة في صقل المواهب الشّعريّة"، محددا بذلك القضايا النقدية التي تبنى عليها القصيدة العربية الحديثة من تلاحم أجزائها، وعمق أفكارها ودقة تصويرها وبعدها عن الغلو والتكلف والمبالغة، ليكون له ولأعضائها الفضل في تأصيل وإرساء دعائم المذهب الرومانسي وبلورته تنظيرا ونظْما.

    1.1      نشأتها وأشهر روادها:

     

    تأسست مدرسة أبولو الشعريّة بمصر في سبتمبر 1932م في افتتاحيّة العدد الأوّل من أعداد مجلتها، على يد أحمد زكي أبي شادي - الذي جمع بين تخصصه العلميّ من خلال ممارسته لمهنة الطب والأدبي بنظمه للشعر- بعد عودته من إنجلترا أين تذوّق الكثير من الشّعر الإنجليزي، ووقف على التيارات الأدبية الغربية بنزعاتها الإنسانية الداعية إلى القيم والفضائل، والذاتية التأملية والفلسفية التي عبر بها الأديب عن أحاسيسه وعمق عواطفه، نحو تأسيس منهج نقديّ أسهم في النهضة الأدبية، وذلك بتوجيهه للشعراء نحو إبداع أدبي عصريّ يساير به تطوّر الآداب الغربية.

     فعدّت بذلك مجلة أبولو أول مجلّة عربية تدعم الآراء النقدية الداعية إلى تجديد الشعر العربي وتحديد ماهيته، وقد صوّره أبو شادي بقوله: " إنّ أعظم أثر أحدثته أبولو الشعرية التي عملنا على تكوينها، إنما جاء عن طريق التحرر الفني والطلاقة البيانية والاعتزاز بالشّخصية الأدبية المستقلة والجرأة والابتداع مع التمكّن من وسائله، لا عن طريق المجاراة للقديم المطروق والعبودية للرواشم المحفوظة والتقديس للتقاليد المأثورة". معلنة بذلك ثورتها على التيار البياني التقليدي المحافظ الذي اتسم حسب رأيه بالعقم والجمود والسير على خطى الأقدمين، فكانت هذه المجلة المنبر الّذي تعبر من خلاله عن آرائها ومبادئها، "لتتوقف عن الصدور في شهر ديسمبر 1934..، فكانت نهايتها مرحلة استقرار الرومانطيقية في الأدب العربي".

    حمل مؤسسها ورئيس تحرير مجلتها شعار- أبو شادي- "أداء رسالة الشعر بالشعر للشعر"، ساعيا في ذلك إلى أن يسترجع الشعر العربي مكانته وقيمته، حتى يبلغ من السمو والرفعة والرقي ما بلغه الأدب الغربي من تقدم وتطور، بتشجيعه للحركة التجديدية وتوجيهه للشعراء بمناصرته لنهضتهم الأدبية عامة والشعر خاصة، باعتباره رسالة يمرر عبر قنواتها صورة الواقع، داعيا من خلالها إلى الوحدة الإنسانية التي قد تصل بأدبهم إلى العالمية دِعامَتها الحب، التضامن والتآخي، فاتحا عضويتها للذات العربية المبدعة في مجال الشعر والنقد. وقد تولى "رئاسة الجماعة أحمد شوقي، ولما توفي (1868- 1932) اختير مطرن رئيسا لها" بعد انتخابه، ومن المقالات التي نشرها شوقي في المجلة تصديره الّذي قال فيه:

    أبولو مرحبا بك يا أبولــو

    فإنّك في عكاظ الشغر ظـلُّ

    عكاظ وأنت للبلغاء سـوق

    على جنباتها رحلوا وحلّوا

    وينبوع من الإنشاد صـاف

    صدى المتأدبين به يقــلّ

    ومضمار يسوق إلى القوافي

    سوابقها إذا الشعراء قلـوا

    كما ضمّت مجموعة من شعراء التيار الوجداني الّذين تبلور على أيديهم هذا المذهب من بينهم: إبراهيم ناجي وكيل جماعة أبولو، الشاعر المصريّ الّذي عرف بشغفه الأدبي الغربي الوجدانيّ وتأثره بخليل مطران ومحمد الهمشري والمهندس محمود طه وبصالح جودت، وهم بدورهم تأثروا بشعره وأدبه الرومانسي، الّذي صقل به وجدانه وألهب روحه المنفعلة. بالإضافة إلى أبي القاسم الشّابّي، فكان المجيد والمكثر إذ نشرت له العديد من القصائد في المجلّة، رنا بطبيعته إلى النّفس الإنسانيّة وخوالجها الفيّاضة، إيمانا منه بأنّ قيادة الفكر رسالة إنسانيّة سامية حاول جاهدا تحقيقها في حياته، فهو يُعدّ من روّاد الحداثة ومن دعاة التّجديد في الأدب، وأطلقت عليه العديد من الألقاب منها: شاعر الشّعب والوطن، شاعر الشّباب والحرّيّة، شاعر الحياة والموت، أمّا اللّقب الّذي لاقى رواجا في الأوساط الأدبيّة: شاعر تونس الخالد.

     إلاّ أنّ الجماعة لم تعمّر طويلا لكثرة المناهضين والمناوئين لحركتها، لينفرط عقدها نهائيّا بعد هجرة مؤسّسها إلى أمريكا سنة 1946.

    1.1    خصائصها:

    أأ) الصّدق في التعبير العاطفي والفنّي: وذلك بالتّعبير عن مكنونات النّفس الدّاخليّة، فيكون العمل الفنّي بذلك عاكسا لإحساس الشّاعر معبّرا به عن عاطفة صادقة تتطابق مع الشّعور الحقيقيّ الّذي يصنعه خياله بعيدا عن الإغراب الممقوت والمتكلف فيه، "فالشعر هو ترجمة العاطفة الثائرة في قلب الشاعر، ومقياس الشعر ليس هو المنطق وإنّما هو العاطفة..، لأنه يجعلنا نشعر بحياة قلوبنا وأحاديث وجداننا". وعليه يمكننا القول أنّ العاطفة بالنسبة للشعراء كانت موضوعا من مواضيع شعرهم المتعلقة بشخصية الشاعر أو بموقف إنساني، فعبروا بها عن تجربتهم الصادقة وعن عميق شعورهم وإحساسهم الداخلي المتأجج، ليكسبوا شعرهم من خلال اللغة والصور الشعرية التي تصاحبها تموجات الحركة النفسية وخلجاتها قيمته الفنية.

     وهذا ما عبّر عنه أبو القاسم الشابي من خلال دعوته إلى تغليب العاطفة على العقل والتفكير بقوله:

    عش بالشّعور وللشّعور فإنّمــا

    دُنياك كونُ عواطفٍ وشعورِ

    شُيّدت على العَطف العميق وإنّهــا

     لتجفُّ لو شُيّدت على التفكِيــر

    وقوله أيضا[11]:

    واجعلْ شعورَك في الطبيعة قائــداً

    فهْو الخبيرُ بتِيهِها المسْحــورِ

       فحاربت شعر المناسبات ودعت إلى تمثيل الشّعر لتجارب ذاتية اجتماعية ونفسية يعكس بها الذات والنفس الإنسانية، فأصبح الشّاعر بذلك لسان حال أمّته المعبّر عن خلجاتها وتطلعاتها وآمالها وآمالها، " فالشعر تعبير والشاعر هو الّذي يعبّر عن النّفوس الإنسانية، فإذا كان القائل لا يصف حياته وطبيعته في قوله، فهو يعجز عن وصف حياة الآخرين وطبائعهم، وهو إذن ليس بالشّاعر الّذي يستحقّ أن يتلقّى منه النّاس رسالة حياة وصورة ضمير"، فالصّدق هنا صدق فنّيّ يرتبط بتعبير الشاعر عن مشاعره وعواطفه الصادقة التي تنبع من الذات ولا تنفصل عنها كما قال النّقّاد. 

    ب‌) الامتزاج  بالطّبيعة والاعتماد عليها في رسم الحالة النّفسيّة: استمدّ الشاعر صوره الشعرية المترابطة من مظاهر الطبيعة التي أظهر تعلقه بها وتفاعله معها، فربطها بتجربته وحالته الشعورية والنفسية التي قابلها بها عاقدا مقارنة بينها وبين الإنسان، معتبرا عناصرها كائنا حيا يشكي له همومه وأحزانه، مستعينا في ذلك بخياله الشاعري وبرموزها المبهمة والموحية في تعبيره عن الوعي الذاتي والإنساني، " فحبّ الوحدة عند الرّومانسيين هو الّذي دفعهم إلى الحقول والجبال والبحار، لا لوصف جمالها كما فعل الشّعراء الّذين سبقوهم، بل لتغذية أحلام يقظتهم فيها ولهدهدة كآبتهم لتصبح بذلك صديقة ونجيّة، معتبرين الأشياء فيها أشخاصا تفكّر، تشاركهم عواطفهم وأحاسيسهم، لتصبح عندهم بمثابة الأمّ الرّؤوم والملاذ الّذي يجدون السّكينة في جواره، معانقين إيّاها معانقة الأحباب". فلجأوا إليها وقدّسوها واعتبروها كائنا حيّا يحسّ، يشعر ويفكّر، ناجوها واستنطقوها برفق وحُنُوّ. ليبتعد بذلك الشاعر" عن التّسجيل التّصويريّ الجامد، جاعلا من عناصرها كائنات تتجاوب مع مشاعره وتنفعل بأحزانه وعواطفه، كما كانت بالنّسبة له مجالا للهروب من الواقع ومن العالم المصطنع". ليمزج حالته النفسية بمظاهر الطبيعة،" التي وجد بها ذاته، فمال إليها ومجد فيها آلامه، وغلّب العاطفة على العقل وثار على الواقع، وبنى لنفسه في غابها مجدا فلسفيا، أملاه على الطيور والغصون على نحو ما فعل جبران..، وحكى قصته مع الزّمن ووحشة الناس من إبداعاته الفنية". فالليل وسواده هو حزنه وألمه وكآبته، وخيوط الفجر هي حريته وأمله وغده مشرق، أما المطر فهو الخير أو البؤس والعوز وهكذا، ومن شعراء جماعة أبولو نجد أبا القاسم الشابي يربط الشعر بالطبيعة في تحديد مفهومه وذلك في قوله:" الشعر هو ما تسمعه، وتبصره في ضجّة الري، وهدير البحار، وفي بسمة الوردة الحائرة يدور فوقها النحل، ويرفرف حواليها الفراش، وفي النغمة المغردة، ووسوسة الجدول، ودمدمة النهر، ومطلع الشمس، وخفوق النجوم".

    وهذا ما عبّر عنه في قصيدته "إرادة الحياة " بقوله:

    ظمِئتُ إلى النّورِ فوق الغصونِ

    ظمئت إلى الظّلِ تحْت الشّجرْ

    ظمِئتُ إلى النَّبع بين المـروجِ

    يُغنّي ويرقصُ فوقَ الزّهــرْ

    ظمِئتُ إلى الكون أين الوجـودُ

    وأنّى أرَى العالَم المُنتَظـــرْ

    ليعكس من خلال هذه الأبيات شغفه بالطبيعة التي كانت مصدر إلهامه، واشتياقه وتعطشه للتمتع بمناظرها، لاجئا إلى أحضانها حيث يجد الراحة الجسدية والنفسية.

    ت‌) الدعوة إلى الوحدة العضويّة: تعد الوحدة العضويّة من أهم القضايا النقدية التي دعا إليها الشعراء المحدثون، فالقصيدة عند الرّومانسيين في داخل التّجربة الشعرية تصبح كلّ صورة من صورها بمثابة عضو حيّ في بنيتها الفنّيّة؛ في عضوية صورها الشعرية والرمزية والتحام وتماسك أجزائها، فهم ينظرون إليها على أنّها " بنية حية تتفاعل عناصرها وتمتزج بعضها ببعض، وهذه العناصر تنمو نموّا داخليّا، مشبهين إياها بجسم الإنسان القويّ النامي حسن المنظر". وسبب هذه الوحدة هو ذلك النسيج العاطفي والنفسي والبناء الفني الّذي يربط بين عناصرها، منتقدين كل من حاد عنها أو أخل بهذا النظام الذي عدّ من أهمّ سمات التجديد في القصيدة العربية الحديثة.

    ث‌) التعبير بالصّورة الشّعريّة: فالقصيدة عندهم تنتقل من التّعبير عن الواقع بالألفاظ إلى التّعبير بالصّور الشّعريّة الموحية التي استمدّوها منه ومزجوها بمشاعرهم، من خلال تجربتهم الذاتية التي كانت بالنسبة لهم محور تصويرهم، فناظروا بين الطبيعة وحالتهم النفسيّة، ورأوا أنّ عناصرها تفكر وتعاني وتشاركهم عواطفهم. وهذه الأخيرة بمكوّناتها وأبعادها تعتبر عنصرا من العناصر المهمة في اللّغة الشّعريّة الّتي هي بدورها تعتبر من مكوّنات القصيدة بأخيلتها وصورها الموسيقيّة ومواقفها الإنسانيّة، وهذا ما أشار إليه إبراهيم ناجي بقوله "الشّعر موسيقى وخيال وإمتاع وصور، وأمّا الصّور الشّعريّة فنعني بذلك أنّك حين تقرأ للشّاعر قطعة من شعره يكون الشّيء كأنّه مرسوم أمامك بوضوح شديد، ومجسّم بارز تجاه بصرك..، والأسلوب التصويريّ..، هو من مظاهر التطور في الأدب الأوربي الحديث"، فهي تعدّ أساسا للجمال الفنّي الّذي يبدعه الشّاعر لما تتركه من أثر فكري وعاطفيّ في نفس المتلقّي، من خلال التشخيص الّذي عدّ من أساسيات تجسيدها وتشكيلها في ذهنه لتحرر خياله من القيود في تصويره. وهذه الصّورة قد تكون بلاغيّة قائمة على أحد الأشكال البيانيّة أو الرمزيّة التي عبّروا بها عن تجربتهم الفنية، لتصبح الطّبيعة بذلك مصدر إلهامهم وأساسا لصياغة أفكارهم.

    ج‌)   صدق التجربة الشعرية: تعكس انفعال الذات الشاعرة والذات الإنسانية إزاء اصطدامها بموقف من المواقف مستجيبا في ذلك لعواطفه ومشاعره وأحاسيسه الصادقة لنقلها، "والشعر في معناه الحديث تأمل نفسي تمرّ فيه التجربة من خلال النّفس، يبعث في قارئه ويثير في مؤلّفه عواطف ومشاعر وأفكار ذاتية في جوهرها ويتّخذ الشاعر ذاته محورا لها، لا يعتمد على الحقائق الموضوعية مجردة من عواطف، وإنّما يعدّ ذاته معيارا لها".  فالذات الشاعرة تتأثر بواقع الحياة وتؤثّر في المتلقي بحكم أنّ هذه التجربة تحمل بعدا اجتماعيا أو نفسيا أو إنسانيا، جسده في قالب فني عكس به مشكلة من المشاكل التي تعاني منها الذات الشاعرة أو النفس الإنسانية.

    ح‌)   استخدام الرّموز والأساطير: دعا أعضاء جماعة أبولو إلى توظيف الرموز والأساطير في الشعر العربي الحديث، باعتبارها أداة من الأدوات الّتي يعكس بها الشاعر رؤيته وتجاربه الشعريّة وقدرته الإبداعية والفنّيّة، فضمنوها قصائدهم واتخذوها عنوانا لها، وعبّروا بها عن المعاني العصية التي تخفيها النفس البشرية. وهذا النوع من الصور التعبيرية يكسب القصيدة بعدا إيحائيا يُكتشف عن دلالته بالتأمل والتفكير دون مبالغة في التوظيف، " وحسبك دليلا على أنّ العقل ليكتفي بالإشارة ويجتزئ بيسير الإبانة، أنّ النظرة قد تقوم مقام اللفظة في نقل المعنى من ذهن إلى ذهن، وأنّ التلميح قد يكون أبلغ في العبارة من التّصريح، واعلم أنّ إحلال الرموز محلّ الصور أمر لا بدّ منه ولا محيد عنه".  فالوصول إلى المدلول عن طريق الإثارة باستعمال الرموز والأساطير المرتبطة بالخيال وقوة التعبير الفني بالدلالات العميقة غير المتناهية التي تكسب القصيدة التجدد بتعدد القراءات، أبلغ من التعبير المباشر الواضح المحدد الذي يجعل المتلقي يفقد لذة البحث عن البعد الإيحائي الخفي الّذي تحمله تلك الرموز. حيث يكون فيها الإيحاء طريقا لهذه اللّغة باستخدامها. فهذه الأخيرة تساهم في نقل التّجربة من حدودها الخياليّة الفرديّة إلى تجربة المصير العام، لتكون بذلك الرّمزيّة شعار هذه المدرسة. وللصورة الشّعريّة مميّزات: من ذلك ملاءمتها للموضوع والجوّ النّفسيّ للشّاعر، كما تشترط وجوب تناسب بين أطرافها في القوّة والرّقّة وفي الجمال والقبح بكثرة، بالإضافة إلى استخدام ألفاظ أجنبيّة أسطوريّة لتطال بذلك الأساطير عناوين القصائد. حيث يعمل الشّاعر على إخراج هذه اللّغة من وظيفتها التعبيريّة التّواصليّة وإدخالها في الوظيفة الإيحائيّة، لأنّ النّفس إذا وقفت على تمام المقصود لم يبق بها شوق إليه أصلا، أمّا إذا أجهد المبدع نفسه في التّخيّر شدّ انتباه المتلقّي وجعله متعطّشا للمتابعة، فالرّمز هو الإيحاء أي التّعبير عن النّواحي النّفسيّة المستمرّة، وهذه المشاعر تتولد عن طريق الإثارة النّفسيّة لا عن طريق التّسمية والتّصريح، فهو بالنّسبة للشّاعر كأداة ينقل بها تلك المشاعر المصاحبة للموقف الذي تستدعيه تجربته الشّعريّة الفرديّة ليتجاوزها إلى التجربة الإنسانيّة العامّة، لتصبح بذلك بعض الشّخصيات كجميلة بوحيرد رمزا من رموز النّضال الإنسانيّ والثّورة من أجل تحرير الوطن، وجبال الأوراس معقل الثورة والثّوّار التي اعتبرها الشّعراء رمز الأصالة والشّموخ والعظمة.

    خ‌)   اللغة الشعرية: تعتبر اللغة عند رواد جماعة أبولو أداة للتعبير عن الانفعالات والعواطف والأحاسيس والأفكار والمواقف الإنسانية، فهي" مجرّد رموز كغيرها من الرّموز التي استخدمها ولا تزال تستخدمها الإنسانية كوسيلة للإفصاح عما يختلج في النفس من فكر وإحساس، وحسبها أنّها تستطيع أداء هذه الوظيفة، بل من الخير تبسيط تلك الرّموز إلى أقصى حدّ مستطاع، لأنّها كلما ازدادت تبسيطا ازدادت قدرة على تحقيق وظيفتها، في نقل الفكر والإحساس من النّفس إلى النّفس". فالبساطة في التعبير تمكن من أداء وظيفة اللغة، باعتبار أنّ البساطة في النقد تكسبها بعدا جماليا من خلال التعبير الفني عن مشاعر النفس البشرية، في صورة وجدانية عاطفية خيالية لا يشوبها مبالغة أو تعقيد ،لغة مألوفة تساير العصر في بساطة تركيبها وجمال تصويرها.   

    د‌)     التحرّر من الوزن والقافية وبناء القصيدة على وحدة التّفعيلة: دعا شعراء جماعة أبولو إلى إعادة بناء شعر بطابع جديد وذلك بتطويع النغم الشعري وتلوينه؛ ذلك الطّابع الّذي لا يعتدّ فيه صاحبه بعدد التّفاعيل وذلك بالاعتماد على وحدة التفعيلة "الشّعر الحرّ" بدلا من بحور الشّعر الخليليّة، والشعر القصصي في التعبير عن التجربة الشعرية، وهذا ما عبّر عنه أبو شادي في قوله:" وقد يطيب لي..، أن أحبّذ الأسلوب الرمزي والأسلوب القصصي، وأن أتفاعل بتذوّق أدباء العرب في أمريكا لهما، وأنا أتمنّى أن يعاون نهجهما على اجتثاث الإيحاء اللّفظيّ الفاسد وعلى تربية الملكة الشعريّة حين يستطاع ذلك، فإنّ الشعر على أي حال طبع وموهبة لا بهرج وصناعة بل عقيدة فنّيّة". مع الأخذ بالشّعر المرسل الّذي تميّز بحرّيّة التعبير؛ تحرر جاء نتيجة تحرره الفكريّ وتنويعه في القوافي، والسموّ به عن التكلف والتنميق اللفظيّ.