المحاضرة الخامسة: جماعة الديوان
Résumé de section
-
جامعة: مرسلي عبد الله ''تيبازة''
معهد: اللغة والأدب العربي مقياس: النقد الأدبي الحديث
أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالث السنة الثانية ليسانس: دراسات لغوية
المحاضرة (5): جماعة الدّيوان
1. الرومانسية والنقد الأدبي:
تعدّ الرومانسية من المذاهب الأدبية الحديثة التي ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بألمانيا ثمّ انتقلت إلى فرنسا وإنجلترا، لتظهر في الوطن العربي مع مطلع القرن العشرين. إنّها من أهم التيارات النقدية الداعية إلى التجديد، لما لها من أثر في الآداب العالمية وبخاصّة النقد الأدبي الحديث، فهو كغيره من العلوم اللغوية والعلمية، أسهمت في تطوره مجموعة من العوامل في مقدمتها حملة نابوليون بونابرت على مصر "1798"، بوصفها ثورة تحريريّة للأدب من سيطرة الآداب الكلاسيكيّة اليونانيّة المقلّدة التي جعلت السيادة للمنطق والعقل في الفن المتأثر بأرسطو وهوراس..، محاولة فك الأغلال التي كبل بها الفكر العربي نتيجة غياب الخلق والإبداع، ووقوعهم في محدودية أجناس أدبية معينة بمقاييسها وحدودها وأغراضها وموضوعاتها وأوزانها القديمة. ما جعل رواد المذهب الرومانسي ينادون إلى البحث في نتاج الفرد الذي بإمكانه إشغال ذهنه في التعبير عن خلجات النفس البشرية ورغباتها المكبوتة، وهذه الأخيرة هي التي تجعله يجود بالأحسن ويبدع ويجدد. وهذا التجديد من شأنه أن يخلق هو بدوره نقدا خلاقا يفسر به نتاجه الفكري، البعيد عن القوالب الجاهزة بلغته وقواعده البلاغية التقليدية القديمة. لينتقل بذلك النقد من الاعتباطية والجزئية في العصور السابقة، ومن التقيد بالقواعد من عدمها عند النقاد الكلاسيكيين إلى التفسير العلمي الممنهج عند الرومانسيين، باعتبار هذا العمل وليد تجربة حية عكس بها واقعة ومجتمعه، ليفسّر هذا النِّتاج انطلاقا من علاقة الأدب بمؤلفه، أو انطلاقا من علاقته ببيئته ومجتمعه بصفته المرآة العاكسة له، "و لعلّ استجابة أدبائنا ونقادنا لأدب الرومانسيين ونقدهم أسبابا متصلة بواقع الحياة المصرية الجديدة، التي كان الأفراد فيها يتطلعون إلى التحرر والإحساس بالذات..، ومن هنا كانت الرومانسية بما نشرته من الأصول المتعلقة بالحرية والذاتية، وإطلاق العاطفة، واجترار الآلام، ونشدان البراءة وتجريم الواقع المر، والدعوة إلى الجب المطلق للناس والحياة الطبيعية..، ذات أثر فعال في نفوس أدبائنا ونقادنا، فتمثّلوها في الشعر والكتابة والنقد".
فكانت الرومانسية بذلك سببا في استعادة مكانة الأدب عامة والشعر خاصة، ليرتفع إلى مستوى الفكر العالمي لصلته الوثيقة بالأدب الغربي قديمه وحديثه، وبالقضايا التي تتعلق بالواقع والمجتمع؛ إنّها تشير إلى نمط من التأليف الشّعريّ أو النّثريّ، "تُعنى بقصص البطولة أو المغامرة والعجائب الّتي شاعت في العصور الوسطى والّتي كانت تدور حول مغامرات الفرسان وبطولاتهم في سبيل مكارم الأخلاق، ثمّ أصبح معناها الأدبي المدرسة الأدبيّة الّتي تعبّر عن الخيال والعواطف الإنسانيّة بسبب تمسّك أصحابها بنزعتهم الإنسانية التي سيطرت على أعمالهم الشّعريّة، الّتي تدعو إلى حبّ الإنسان لأخيه الإنسان، كما تدعو إلى الخير وتحقيق العدل والمساواة بين أفراد المجتمع محاولين بذلك الرّفع من مرتبة النّفس الإنسانيّة". استطاعت أن تعكس الفكر والوعي الثقافي لمختلف الأمم، و تمجيد الألم الإنساني والذاتي المشحون بعواطف ذاتية نبيلة سيطرت على أعمالهم الشّعريّة، ليصبح الشاعر لسان حال أمته المعبر عن آلامها وأحزانها آمالها لتوطّد بذلك العلاقة بين الشّعر ومحيطه وواقعه الاجتماعي.
فهذا التطور الّذي شهدته الحركة الأدبية كان نتيجة لما نقله النقاد من آراء نقدية جعلتهم يرتقوا بالفكر العربي نحو التجديد والإبداع بتفجير الطاقة الإبداعية، بمناهضة من المناوئين للمذهب الكلاسيكي، فكانت بذلك المدارس الأدبية الحديثة " الديوان، أبولو، الرابطة القلمية" وهذه الأخيرة كانت بمثابة ثورة شاملة في الأدب العربي ونقده، لتقدم بذلك صورة واضحة عن الشعر الرومانسي الّذي انقل من مرحلة التقليد إلى المعاصرة.
ويظهر تأثر العرب بالرومانسيّة الغربيّة في تبنّيهم لهذا المذهب نتيجة حاجتهم الماسّة إلى شعر يخطو مرحلة التّقليد والاحتذاء والمحاكاة الّتي مثّلها جماعة عمود الشعر التقليدي: حافظ إبراهيم والبارودي وأحمد شوقي، إلى مرحلة جديدة متجنّبين بذلك النّظم والأغراض التقليديّة القديمة في شعرهم أوفي شعر أمثالهم، لينتقلوا بذلك من الركود والانحطاط إلى النهضة.
ويعد خليل مطران من أوائل الشّعراء الّذين لفتوا الأنظار إلى ضرورة أن يكون شعرنا الحديث مماثلا لتصوّرنا وشعورنا وظروفنا، وهذا ما أشار إليه في مقدّمة ديوانه "ديوان الخليل" الذي اعتبر نقطة انعطاف في الشّعر، ضم مجموعة من القصائد التي كتبت في نهاية القرن التاسع عشر بداية القرن العشرين، وحملت ثورة حقيقية في تجديد الموضوعات والأشكال الشّعريّة المتنوّعة، وقد صرّح بذلك قائلا:"هذا شعري، وفيه كلّ شعوري هو شعر الحياة والحقيقة والخيال". كما نجده يؤكّد رغبته في التجديد من خلال ودعوته إليه التجديد بقوله: " أريد التجديد أكثر مما أردته في كلّ آن، أريده ولا أكفيه، أريد أن تكون لغتي شريكتي رؤية وسماعا وشعورا تلقاء ما يجد، وأن تتناوله وتعينه على الإفصاح عنه". فثورته على الشعر التقليدي تظهر كذلك في المجلة المصرية التي كان يصدرها معلنا بذلك تمرده عليه، حاملا لواء الدعوة إلى التجديد بالخروج عن قواعد القدامى في النظم بقوله: "إنّ خطة العرب في الشعر لا يجب حتما أن تكون خطّتنا، بل للعرب عصورهم، ولنا عصرنا، ولهم آدابهم وأخلاقهم وحاجاتهم وعاداتهم وعلومهم، ولنا آدابنا وأخلاقنا وعاداتنا وعلومنا، ولهذا وجب أن يكون شعرنا ممثلا لتصوّرنا وشعورنا، لا تصورهم وشعورهم، وإن كان مفرغا من قوالبهم محتذيا مذاهبهم اللفظية". ليعدّ بذلك من أهمّ رواد الرومانسية الساعين إلى تقويض القديم، المناهضين والثائرين على عبيد الشعر التقليديّ الّذين بنوا قصائدهم على وحدة الوزن والقافية، ووحدة البيت واستقلاليته، وعلى ألفاظهم الغريبة المستوحاة من القاموس القديم، فالشعر على حدّ تعبيره لا بدّ أن يواكب متطلبات العصر، أن يعبّر فيه الشاعر عن تجاربه عن واقعه دون مبالغة، ويظهر ذلك في قوله:" هذا الشعر ليس ناظمه بعبده، ولا تحمله ضرورات الوزن أو القافية على غير قصده، يقال فيه المعنى الصحيح باللفظ الفصيح، ولا ينظر إلى جمال البيت المفرد ولو أنكره جاره..، بل ينظر إلى جمال البيت في ذاته وفي موضعه، وإلى جمال القصيدة في تركيبها، وترتيبها، وفي تناسق معانيها وموافقتها، داعيا بذلك إلى الخروج عن نظام الشّعر التقليدي من خلال دعوته إلى التجديد بنقل التجربة الشعرية، والحرية في التعبير، والوحدة العضوية، والصورة الشعرية، والتحرر من الوزن والقافية التي كانت سببا في الحد من التعبير عن العواطف والأحاسيس والأفكار، محددا بذلك المبادئ التي تبنى عليها القصيدة الرومانسية لينتقل بالشعر من الاحتذاء والاتّباع إلى التّجديد والإبداع ليرسم مسارا جديدا في النظم من حيث الشكل والبناء وحتى المضمون وصياغته، حيث ظهرت بعده مدارس كانت هي بدورها بمثابة ثورة شاملة في الأدب العربّي ونقده. إنّها مرحلة جديدة حملت لواءها دعوات تجديديّة منتظمة في تجمّعات أدبيّة من بينها جماعة الديوان. فكيف نشأت هذه المدرسة؟. ومن هم أشهر روادها، وماهي مظاهر التجديد في الشعر العربي الحديث انطلاقا من الآراء التي كان ينادي بها روادها؟.
2.مدرسة الديوان "نشأتها وتبلورها، روادها، مبادؤها":
1.1 نشأتها وتبلورها وأشهر روادها:
بدأت بوادر هذه المدرسة تتبلور مع بداية القرن العشرين، حيث تأثّر روّادها بالأدب الإنجليزي الذي مثله كلوريدج Coloridge وهازلتHazlitt ، فاستفادوا منهما ومن مبادئهما النّقديّة. ليتجاوز بذلك روادها؛ رواد الشعر العربي الحديث- عبد الرحمـ'ن شكري، عباس محمود العقاد، إبراهيم عبد القادر المازني- محاكاة القدامى إلى التّعبير عن التّجربة الشعرية الوجدانيّة الذّاتيّة، وعن الخلجات النفسية و النزعة التأملية نظرا لامتزاجهم بالطبيعة التي استوحوا منها صورهم الشعرية بيانية كانت أو رمزية، بحكم أنّ الشّاعر مطالب "برسمها وتجلية حقائقها ونقل تفاصيلها، وتصويرها تصويرا يجعلنا نشعر معه نبضات أغوارها وصفحات أفلاكها، وما توسوس به نفسه وما تزمجر من نغمات رضاها وغضبها وطلاسم صلواتها وتعاويذها ، مستمدين بذلك مبادئهم من الأدب الإنجليزي الذي تشبعوا ثقافته وأثروا به أدبنا المعاصر، بتوجيههم الحركة الأدبيّة المعاصرة والحركة النّقديّة على السّواء.
وقد سمّيت مدرسة الديوان بهذا الاسم نسبة إلى كتاب الدّيوان في الأدب والنّقد الّذي أصدره العقّاد والمازني سنة 1921م، ليعتبر من الإرهاصات التي مهّدت لظهور منهج وحركة نقدية جديدة لدراسة الأدب نظرا لارتكازها على الجانب النقدي. فحمل في طياته أسس الدّعوة إلى التّجديد وعدّ "البيان التأسيسي الأدبي للمدرسة الأدبية النّقدية في الثقافة العربيّة الحديثة، والعلامة الفاصلة في تاريخ النظريّة الأدبية العربية". هادفا إلى تقويض وهدم القديم بما فيهم " شوقي ورصفائه من أتباع المذهب العتيق"، وكان ذلك من بواعث ثورتهم ونقدهم المقذع "فإذا بالديوان يأتي بالمعول لهدم هذا الفن المقدّس..، معتزما تحطيم..، من اعتبرهم أصناما طالت عبادة الناس لهم". فسعى بذلك رواد مدرسة الديوان تحقيق المثل العليا بشعرهم الّذي عكسوا به صورة الحياة، والنفوس البشرية بعظمتها أو بِضِعَتها، ليربطوا بذلك بين الأدب والمجتمع، كماغلب على شعرائها نزعة تجديديّة تهدف إلى السّموّ والارتقاء بالشّعر العربي، ليكون لهم الفضل في بلورة هذا التيار الأدبي الجديد وإبرازه.
إلاّ أنّ هذه السنة شهدت أيضا تفرّق الجماعة، ولم يصدر من أجزاء الكتاب العشرة إلا جزءان، ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل من بينها:
- الخلاف والفجوة التي كانت بين شكري والمازني اللذان أساءا لمذهبهما بسبب الخصومة التي كانت بينهما، حيث وجّه المازني لشكري نقدا لاذعا مقذعا بإقرار من العقاد فاتهماه بالجنون في كتابهما الديوان وسمياه بصنم الألاعيب بقولهما: "شكري صنى ولا كالأصنام، ألقت به يد القدر العابثة في ركن خرب على ساحل أليم، صنم تتمثّل فيه سخرية الله المرّة"، وهذا الوصف جاء على إثر ما نشره شكري في مجلّة "المقتطف" واتهامه للمازني بسرقة معان من الشّعر الإنجليزي، وعلى الرّغم من النّزاع الّذي كان بينهما إلاّ أنّ المازني اعترف بفضل شكري و ريادته في مقاله "التّجديد في الأدب المصري".
- "عودة شوقي من منفاه سنة1919 بعد إخفاق الثورة العرابية وتأثيرها على حياة الشعراء الثلاثة بعد تربعه على قمة المجد والإشادة به في بعض الصحف من بينها جريدة عكاظ، فظنوا أنّ تلك القمة لا سبيل إليها..، وقد كان لهذا الإحساس أكبر الأثر في الحد من نشاطهم وفي توجيه طاقاتهم الإبداعية إلى ثورة هوجاء تدفعها دوافع شخصية لا دوافع أدبية، وذلك بمهاجمتهم النّموذج القائم عند شوقي وحافظ إبراهيم والمنفلوطي في مجلّة "عكاظ" وكتاب الدّيوان بالنقد والتجريح، بل بالسب والاتهام الّذي لا يليق بالأدباء"، ليخلفا بنقدهما أثرا باقيا في نفوسهم.
- انشغال العقاد والمازني عن النقد والأدب بالسياسة والدفاع عن قضيتهم الوطنية، ومحاربة الظلم والاستبداد وانصرافهما عن الشعر نحو الصّحافة، مسخرا أدبهما للذود عن حياض الوطن، والمطالبة بالحرّيّة والاستقلال.
- عزوف عبد الرحمن شكري عن الكتابة بسبب إخفاق ثورة 1919، وتقييد وظيفته الحكومية لحريته وحدّها من نشاطه الإبداعي، وبسبب الظلم الوظيفي الّذي وقع عليه بحرمانه من التّرقيّة، ليحال على التقاعد بناء على رغبة منه، وكلّ هذه العوامل جعلته يتأزّم نفسيا نتيجة إحساسه بخيبة الأمل، لعدم تحقيقه مجده الأدبي الّذي كان يطمح إليه، ومن مسرحياته التي عبّر بها عن فلسفته المتشائمة "مسرحيّة المجنون"، وهذه الأخيرة صوّرت بأسلوب رومانسيّ حالات التّمزّق النّفسي الّذي كان يراها في جيله.
وقد عدّ بعض الدارسين عبد الرّحمن شكري رائد هذه المدرسة بحكم أنّه كان السبّاق إلى "وضع الأسس النظريّة والتطبيقية في الشّعر والنّقد، ودعم هذه الأسس بالإنتاج الوفير..، وأنّ المازني والعقاد قد تأثرا بآرائه كما تأثّر هو بآرائهما"، وهذا ما أكّده العقاد بقوله: " وله في ميدان القريض فضل الرائد..، فهو من أسبق المتقدمين إلى توحيد بنية القصيدة، وإلى التصرّف في القافية على أنواع من التصرّف المقبول، فنظم القصيدة في وزن واحد، ومقطوعات متعددة القوافي..، وتسنى له في جميع المناهج أن ينظم الكثير من القصص العاطفية والاجتماعية قبل أن يشيع نظم القصص في أدبنا الحديث"، لتنسب له بذلك الريادة والسبق في وضع الأسس والمبادئ التي ترتكز عليها مدرسة الديوان في تجديد الشّعر، الّذي كان بالنسبة للبعض صدمة نتيجة تحررهم من القيود التي فرضها المذهب الكلاسيكية، فرفعوا من شأن الخيال والعاطفة وشددوا على الشّعر بوصفه تعبيرا فنيا يعبر به الشاعر عن تجاربه عن مشاكله عن قيمه وعن أفكاره.
2.1 الشّعر عند جماعة الدّيوان:
تغيرت نظرة شعراء مدرسة الديوان للشعر، إذ عدوه تعبيرا صادقا عن وجدان الشاعر المرتبط بعالمه الدّاخليّ وبنفسيته؛ عن الذات الشاعرة وأحاسيسها وتجربتها الشعورية الصادقة التي تعدّ مصدر إلهامها، يقول العقاد:" إنْ كان الشّعر لا يرجع إلى مصدر أعمق من الحواس شعورا حيّا ووجدانا تعود إليه المحسوسات كما تعود الأغذية إلى الدّم ونفحات الزّهر إلى عنصر العطر، فذلك شعر الطبع القويّ والحقيقة والجوهر". وهو حسب رأيه يقاس بثلاثة مقاييس:" أوّلها أنّ الشّعر قيمة إنسانيّة قبل أن يكون قيمة لفظيّة فيحتفظ بقيمته إذا ترجم إلى لغة من اللغات، وثانيهما أنّ الشّعر تعبير عن نفس صاحبه، فالشّاعر الّذي لا يعبّر عن نفسه صانع وليس ذا شخصيّة أدبيّة، ثالثها أنّ القصيدة ذات بنية حيّة وليست أجزاء متناثرة يجمعها الوزن والقافية"، فالشعر بذلك يحمل بعدا إنسانيا من خلال تعبيره عن الذات الإنسانية، التي يعكس بها تجربة شعرية صادق مستعينا في ذلك بأساليبه الفنية، وبالوحدة الشعورية التي تربط بين الأبيات. وهذا ما أكده شكري حين ربط الشّعر بالعاطفة والخيال والذّوق في عملية الإبداع الفنّي وهذا الأخير يحتاجه كل من الفنان والشاعر الّذي يعكس به شخصيته، و الناقد في التمحيص والاستنباط وإصدار الأحكام، ويظهر ذلك في قوله: "الشعرهو كلمات العواطف والخيال والذّوق السّليم فأصوله ثلاثة متراوحة، فمن كان ضئيل الخيال أتى شعره ضئيل الشّأن، ومن كان ضعيف العواطف أتى شعره ميّتا لا حياة له، فإنّ الشّعر في الإبانة عن حركات تلك العواطف وقوّته مستخرجة من قوّتها ومن كان ينقصه الذّوق أتى شعره كالجنين ناقص الخلقة". ويضيف شكري في تعريفه للشعر قوله: "إنّ الشّعر مهما اختلفت أبوابه لا بدّ أن يكون ذا عاطفة، ولا أعني بشعر العواطف رصف كلمات متينة تدلّ على التوجع أو ذرف الدّموع، فإنّ شعر العواطف يحتاج إلى ذهن خصيب وخيال واسع لدرس العواطف، ومعرفة أسرارها وتحليلها، وقلب الشاعر مرآة الكون، فيه يبصر كلّ عاطفة جليلة شريفة، أو قبيحة مرذولة". فالشعر عنده منبعه ومنبته عمق العواطف الإنسانية والأحاسيس والخيال الّذي يعدّ عنصرا تثار به مشاعر المتلقي ببلاغته وحسن نظمه ووقع كلماته، فمجال الشعر هو الشّعور، سواء أثار الشاعر هذا الشعور في تجربة ذاتية محضة كشف فيها عن جانب من جوانب النفس، أو نفذ من خلال تجربته الذّاتيّة إلى مسائل الكون، أو مشكلة من مشاكل المجتمع، تتراءى في ثنايا شعوره وإحساسه"، والشاعر هو المخول للتعبير عن تلك العواطف فيكشف عن أسرارها بتحليلها، والكشف عن الصراع الّذي يعيشه الفرد نتيجة اصطدامه بواقعه المرير، الّذي يهدف إلى تغييره معبّرا عن تأملاته وآماله وآمال شعبه وما يختلجه من نوازع، طامحا في ذلك إلى تحقيق حياة تملأها السعادة والعدل الإنصاف.
ويظهر ذلك في أوّل إنتاج لشاعر النفس الإنسانية عبد الرّحمـ'ن شكري الّذي جاء في
مقدّمة ديوانه الأوّل الموسوم بـ"ضوء الفجر" قوله:
ألا ياطـــائرَ الفِــــــردوْ
س إنّ الشّعر وجـــــدانُ
وهذا ما أكّده في تحديده لمعنى الشعر كما يراه أصحاب مدرسة الديوان بقوله:
وإنَّمَا الشِّعرُ تَصْويرٌ وتذكــرةٌ
ومتعةٌ وخيالٌ غير خـــوانِ
وإنّمَا الشِّعرُ إحساسٌ بِما خفقت
له القلوبُ كأقدارٍ وحِدْثَـــانٍ
كما نجد المازني هو بدوره يربط الشّعر بالعواطف بقوله[22]:
وما الشّعر إلاّ صرخة طال حبسها
يرنّ صداها في القلوب الكواتم
وهذا ما أشار إليه العقاد في تحديده للشروط التي ينبغي توفرها في الشاعر، فهذا الأخير "لا يزن التفاعيل، أو يصوغ الكلام الفخم واللفظ الجزل، أو يأتي بالمجازات الرائعة والتصويرات البعيدة فحسب، وإنّما هو من يشعر ويُشعِرُ، فما الشّعر إلاّ تعبير عن الشعور الصادق"، فالشعر الحقيقي في نظره ذلك الشعر الّذي يخضعه الشاعر لمشاعره وأحاسيسه، لا لتراكيبه ومجازاته التي عدوها حلى فارغة وطلاء خارجيا زائفا، هو النظم الّذي لا يتقيد فيه لا بوزن ولا قافية التي تحدّ من تفكيره، ومن التعبير عن خلجاته وعن المعضلات التي تعاني منها النفس البشريّة، فذلك هو الصدق الشعوري الّذي نادى به أعضاء الجماعة.
3.2 خصائص أسلوب شعرائها:
بتحديد شعراء مدرسة الديوان لمفهوم الشّعر، حددوا المبادئ التي ارتكزوا عليها في نظمهم، ما جعل شعرهم يمتاز بمجموعة من الخصائص المتمثلة في:
1.3.1 الخصائص الفنّيّة:
أ) الوحدة العضويّة والفنّيّة: وهي تعدّ من أهمّ القضايا النقديّة الّتي أثارها النقاد المحدثون، وعلى رأسهم شعراء مدرسة الديوان الذين شنوا حربا سجالا على المدرسة الاتباعية وعلى نظام القصيدة التقليدية التي تزعمها أحمد شوقي، مشبهين قصائده بكومة الرمل نظرا لتفكك وتشتت أجزائها وافتقادها الوحدة الفنية التي تدل على فقدان خاطر المؤلف وتقطّع أفكاره وقصرها وعقمها، لا يجمع بينها سوى وحدة الوزن والقافية. ليناهضوا بذلك الشعر القديم الّذي يفتقر للوحدة في معناه ومبناه، والتئام أجزائه وترابطه وتسلسله المنطقي، يقول العقاد: "إنّ القصيدة ينبغي أن تكون عملا فنّيا تامّا، يكمل فيها تصوير خاطر أو خواطر متجانسة كما يكمل التمثال بأعضائه، والصورة بأجزائها، واللحن الموسيقيّ بأنغامه، بحيث إذا اختلف الوضع أو تغيّرت النسبة أخلّ ذلك بوحدة الصّنعة وأفسده، فالقصيدة كالجسم الحيّ، يقوم كلّ قسم منها مقام جهاز من أجهزته، ولا يغني عنه غيره في موضعه..، فالقصيدة عمل فنّي متكامل تتسلسل أجزاؤه تسلسلا منطقيا، وينمو كلّ بيت فيه نموّا عضويّا، فلا تستطيع تقديمه أو تأخيره"، لأنّ العلاقة بين اللفظ والمعنى هي كعلاقة الروح بالجسد، فاعتبرت بذلك القصيدة بنية حية متماسكة وموحدة الأجزاء، وسبب هذه الوحدة وحدة الجو النفسي أو ذلك الخيط العاطفي الّذي يستحيل بتره. لكن هذا لا يمنع من أنّ العرب القدامى كانوا قد أثاروا هذه القضيّة قبل أن يتطرق إليها شعراء مدرسة الديوان من بينهم الحاتمي، " وهو من علماء القرن الرابع هجري، مثّل القصيدة مثل الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر وباينه في صحّة التركيب، غادر الجسم ذا عاهة تتخوّن محاسنه وتُعفى معالمه، وقد وجدت حذّاق المتقدمين وأرباب الصناعة من المحدثين يحترسون في مثل هذا الحال احتراسا يجنّبهم شوائب النّقصان، ويقف بهم على مَحَجَّة الإحسان، حتى يقع الاتصال، ويُؤْمَنَ الانفصال، وتأتي القصيدة في تناسب صدروها أعجازه، وانتظام نسيبها بمديحه، كالرسالة البليغة، والخطبة الموجزة، لا ينفصل جزء منها عن جزء". كما تناول ابن طباطبا هذه القضية بالتعريف وذلك في قوله: " وأحسن الشّعر ما ينتظم القول فيه انتظاما ينسق أوله مع آخر، على ما ينسقه قائل، فإن قدّم بيت على بيت دخله الخلل، كما يدخل الرسائل والخطب نقض تأليفها، فإنّ الشعر إذا أسس تأسيس فصول الرسائل القائمة بأنفسها، وكلمات الحكمة المستقلة..، لم يحسن نظمه، بل يجب أن تكون القصة ككلمة واحدة في اشتباه أوّلها بآخرها". وعليه يمكننا القول أنّ هذه القضية قديمة قدم الحركة الأدبية والنقدية العربية لا المثاقفة.
ب) الاعتداد بالعاطفة والخضوع لها: تعدّ العاطفة عند الشعراء الرومانسيين من أهمّ عناصر الأدب فهي مادتهم الخام ومصدر إلهامهم، فعبّروا عنها في شعرهم الّذي عدّه المازني " وليد الإرادة والإحساس"، فنقلوا بذلك تلك المشاعر والانفعالات بحسب انطباعها في ذهنهم. وقد عرف رواد مدرسة الديوان بعدم المغالاة والمبالغة فيها مقارنة بالغرب، إذ تميّز شعر العقاد بنزعته الفكرية التي طغت على شعره، نظرا لاعتماده على العقل والمنطق أكثر من اعتماده على العاطفة والحس والخيال.
ت) التحرر اللغوي: دعوا إلى أن تكون اللغة لغة العصر، لغة يعبّر بها عن الواقع ، يعكس بها الشاعر تجربته الشّخصية وحالته النّفسية وبيئته، بسيطة منزّهة من التّعقيد والتعمية، ألفاظها مألوفة سهلة واضحة غير مبتذلة ولا نابية، وهذا ما عبّر عنه العقاد بقوله: " وليس معنى السّهولة في جمال الفنون أنّه رخيص مباح لكلّ من يرمقه بجانب عينه، ولا أنّه غنيّ عن التأمّل والتّفكير، ولكن معناه أنّه سهل سائغ لمن يستعدّ له استعدادا ويبذل فيه ذمّته ". كما اشترطوا فيها عمق الفكرة مع " توخّي السّهولة، تلك السهولة الّتي تدلّ على النّبوع والمقدرة، والّتي يؤدّي بها الأديب الممتاز من المعاني ما لا يستطيع أن يؤدّيه غيره إلاّ بمشقّة، وليس يعني ذلك أن يكون الأدب سهلا لكلّ إنسان"، لغة واضحة عميقة المعاني، يساير بها العصر وتطوراته ومتطلباته وحاجاته، يعكس بها عواطفه وأحاسيسه وواقعه باعتبارها وسيلة من وسائل التعبير، على يتحرّى بها الصدق في نقل الحقائق التي من شأنها إثارة مشاعر المتلقّي لتعدّ بذلك وسيلة لا غاية.
ث) التعبير بالصّورة الشّعريّة: تجسدت هذه الأخيرة من خلال تفاعل الشاعر مع الطبيعة التي اعتبرها ملاذه الوحيد فربطها بتجربته وعبر برموزها عن حالته الشعورية، ويعدّ عبد الرّحمن شكري من النقاد الأوائل الّذين تناولوا هذه النظريّة المستوحاة عن الغرب محاولا تطبيقها على نصوصه متأثرا في ذلك بكولردج الذي قدّس الخيال واعتدّ به " فعالم الخيال هو عالم الأبديّة، وإنّ القوّة الوحيدة الّتي تحلق بالشاعر هي الخيال، أو الرؤية المقدّسة، والخيال هو أنبل ملكة في الإنسان، وإنّ الصوت هو صوت شعره لا يستطيع أن يسمعه القارئ بدون أن تتوافر لديه" هذه الملكة، فأدبهم هو أدب العاطفة والخيال والانفعال الوجداني، إنّه " القوّة الّتي بواسطتها تستطيع صورة معيّنة أو إحساس واحد أن يهيمن على عدّة صور أو أحاسيس في القصيدة، فيحقّق الوحدة بينهما بطريقة أشبه بالصَّهر وهو يعني الشّعور أو العاطفة أو الإحساس والخيال عنده قسمان: خيال أوّلي فطري عاديّ لكلّ البشر نصيب منه، خيال ثانويّ وهو مخصوص بفئة الفنانين المبدعين فحسب، وهو بالنّسبة للشّاعر خيال شعري خلاق مبتكر". لا يمكننا فصله عن الشّعور الذي يؤثر في جوارح النفس الإنسانية، ليكسب بذلك الشاعر تجاربه الشعرية صدقا عاطفيا من خلال الصور الجديدة الموحية والمعاني المبتكرة التي تخلق جوا نفسيا ينبض بالإحساس.
ح) الابتعاد عن الغلوّ في الصّنعة اللّفظيّة المتكلّفة: وهذه الأخيرة كانت تكسب النص الغرابة والغموض والتعمية الممقوتة التي تتسبب في بعد المعاني عن حقيقتها، وهذا ما رفضه شعراء مدرسة الديوان الّذين نادوا بتحرير الأدب من التنميق اللفظي المبالغ فيه، وقد عدّ العقاد المبالغة "علامة من علامات انحطاط الفكر"، فالاهتمام يكون بالمعنى المنبعث من الروح لا المتكلّف فيه، ليتحرر بذلك الشاعر من أغلال الصنعة و ربقة الجمود والتقليد.
خ) تحرر الشعر من التزام الوزن والقافية الواحدة: وذلك بالتّحرّر من القوالب التّقليديّة العتيقة التي "قيّدت عبقريّة الأديب ومنعته من الانطلاق في الأجواء الأدبية الجديدة الّتي تسمح له بالتعبير عن النفس ومشاعرها، وعن الحياة في شمولها وعمقها"، فأطلقوا العنان لعواطفهم وأحاسيسهم وأفكارهم وصورهم التي أخضعوها للأوزان الشعرية. وإنّ أوّل من بثّ الدعوة لبنية الشعر الحديث أمير الريحاني سنة1897 عندما تأثر بالبنية الحديثة للشعر الإنكليزي مع الشاعر الأمريكي ولت ويتمن Walt Whitman فهزّ جذع العروض العربي وضرب في أسس الخليل بن أحمد الفراهيدي..، وكأنّه كان يشكّ بتحليله العلمي الدقيق لواقع الأوزان التي اكتشفها ووضع لها جوازات أطلق عليها التسميات بكل دقة. وهذه الخطوة التجديدية في الموسيقى الخارجية عند مدرسة الديوان انتهجها كل من المازني وشكري، وامتدحها العقاد الّذي رأى أنّ " نفرة الآذان من هذه القوافي لن تطول، لا سيما في الشعر الّذي يناجي الروح والخيال" ، فثورتهم في البداية كانت على المعاني الغامضة، لينتقلوا إلى الموسيقى " التي وصفوا بها – عن طريق الإيحاء بالنّغم – ما لا يوصف من المشاعر وأحوال النّفس..، فالموسيقى جوهر الشعر وأقوى عناصر الإيحاء". وهذا التحرر كان تدريجيا وذلك بالالتزام بالبحر و التنويع في القافية فإهمالها، إلى أن خرجوا عن النظام التقليدي الخليلي إلى الشعر الحر الذي اعتمدوا فيه على البحور الصافية التي تبنى على وحدة التفعيلة، ليحل بذلك السطر الشعري محل البيت ليخضعوا البحر لعواطفهم ومشاعرهم وأحاسيسهم، فروح الشّاعر حرّة مطمئنّة لا تطمئنّ إلى القيد ولا تسكن إليه على حدّ تعبير أبي القاسم الشابي.
2.3.1 الخصائص الموضوعيّة:
أ) التّعبير عن النّفس الإنسانيّة: فالشّاعر هو المخوّل بهذه المهمّة، إنّه لسان حال أمته، يعيش خبرات وتجارب وأحداثا تجعله يكتشف ذاته وسرائر نفسه التي يعكس بها واقعه وواقع شعبه واستجلاء حقائقه؛ وإنّ" اكتشاف الفنان لذاته إنّما هو قبل كلّ شيء ارتياد واكتشاف للذات الإنسانيّة، أو الذات الكامنة في كلّ فرد منّا"، مستعينا في ذلك بفنّه ليعبّر به عن المواقف والنفس الإنسانية المتطلّعة إلى المثل العليا والحياة الفضلى والتحرر، ليتغيّر بذلك مفهوم الشعر الّذي أصبح يدل على " ثوران الأرواح التي تهيج كالبراكين المضغوط عليها، فتنفجر وتقذف بالنار والحمم على رؤوس الضاغطين عليه، وسلاح الإنسانية المتبرمة تحارب به الإنسانية الظالمة، وهو الموقظ للأمم من رقدتها، والنافخ فيها أرواحا جديدة تطالب بحقوقها المهضومة، وتدرأ عنها عادية الاستبداد..، والشعر العصري شعر الشاعر المتولد عن فعل المحيط، كبير التأثير بروحه..، فلا يكون إلا صادقا لا تشينه مبالغة، وسهلا ليس عليه من التكلف ما يذهب بصفائه وروعته". فالأدب الصحيح السامي الّذي ينبغي أن يتّخذ كمقياس تقاس عليه الآداب هو ذلك الأدب الّذي يُعنى بقضايا الإنسانيّة الوطنية والقومية، بالعالم والكون بأكمله. لأنّ الأدب هو أدب الإنسانية جمعاء، لتطغى على الذات المبدعة النزعة التشاؤمية من منطلق التفكير والتأمل في الحياة والكون وأسراره وأسرار النفس البشرية، ونزعة تفاؤلية متمسكة بالأمل؛ متمسكة بغد مشرق يسوده الحرّية، الخير، العدل والمساواة، ونزعة إنسانية تدعو إلى الخير والجمال وحب الإنسان لأخيه الإنسان .
ب) البعد عن شعر المناسبات: عرفت مصر بعد عشرينيات القرن العشرين ثورات، دفعت بالأدباء إلى تبنيها أقلاما شحذت بها الهمم وقوت العزائم، وبثت روح الحماسة في النفوس، فمجدوا الأبطال وخلدوهم في قصائدهم كما أشادوا بانتصاراتهم، إلا أنّ رواد مدرسة الديوان رفضوا هذا النوع من الأغراض الشعرية التقليدية، لما فيه من تصنع وتكلف وزخرف و رنين خطابي.
ت) الدّعوة إلى الشّعر المرسل: هو ذلك الشّعر الّذي يحافظ على وحدة الوزن وينوّع في قوافي القصيدة الواحدة، بحكم أنّ نظام القافية الموحدة فيه " تقييد للشاعر، ووقوف في تأدية المعاني والأخيلة والعواطف والأفكار، وقد اصطلح على تسمية الشعر الّذي احتفظ بوحدة البحر أو الوزن مع تغيير القوافي الشعر المرسل". وأولى المحاولات كانت مع عبد الرّحمــ'ن شكري والمازني في المشرق العربيّ، ورمضان حمود من الجزائر فضلا عن جماعة المهجريين،" إلاّ أنّ محاولة الشّعر المرسل عند هذه المدرسة لم تثمر، فلم يستطع العقاد وزميلاه أن ينتجوا قصيدة كالإلياذة مثلا ".
ث) الاهتمام بعنونة القصيدة والمجموعة الشعرية: وهي تدل على الإطار العام للمحتوى، وهذا ما اهتمّ به شعراء جماعة الدّيوان حيث أنّهم تجاوزوا فكرة وضع عنوان للقصيدة الّتي كانت تضمن لها الاستمراريّة إلى وضع عنوان للدّيوان، " فمن علامات الكمال الفني أن تسمى باسم، ويوضع لها عنوان، لأنّ الأسماء تتبع المسميات، والعناوين تلصق بالموضوعات"، من ذلك ديوان عبّاس محمود العقاد: عابر سبيل، وديوان عبد الرّحمـ'ن شكري: ديوان أزهار الخريف.
ح) الاهتمام بالشّعر القصصي:هو ذلك الشّعر الّذي تروى فيه الحوادث والوقائع في وحدة متناسقة وبقالب شعريّ، يعكس من خلاله الشاعر تجربة تتضمن أحداثا وشخصيات إنسانية تتحاور وتتصارع، شخصيات تعبّر عن آلامها وآمالها، عن مكنوناتها الوجدانية والنفسية، فيدعو من خلالها إلى التمسك بالقيم والفضائل التي كانوا ينشدونها ويتطلعون إلى تحقيقها في الواقع، وهو يعدّ من أبرز أنواع الشّعر العربيّ الحديث الذي كان يفتقره أدبنا، وقد دعا الشعراء للنظم فيه لندرته في الشعر العربي، فالمعنى في هذا الأخير "لا يضيء إلا بشعاع من الخيال، فلا تستطيع أن تقيّم منه حديثا سوى التركيب، كامل الترتيب، لذلك..، لا بدّ لهذا النوع في لغتنا من وضع جديد يكون وسطا بين النثر والنظم، حتّى يحمل الألفاظ والمعاني معا"، فتناوله العقّاد في قصائده، إلاّ أنّ خليل مطران اعتبر رائد هذا الفنّ الّذي أصبح تجربة ناضجة على يده.