Résumé de section

  • الفئة المستهدفة: السنة الثانية/ تخصص: دراسات لغوية                       مقياس: النقد الأدبي الحديث

    إرهاصات التجديد في النقد العربي الحديث           الأستاذة: د. بن عبد الله ثالث                              

                                            المحاضرة 4 

    1.   أثر الثقافة العربية في تأسيس الفكر الغربي وتوجيهه:

    يعدّ الاتساع العربي من أهمّ أسباب النهضة الأوروبية التي انفجرت في القرن الخامس عشر، ذلك أنّ العرب نقلوا إلى أوروبا أربع وسائل للثّقافة والمتمثّلة في:

    -   الأرقام الهندية التي كانت عاملا من العوامل التي ساهمت في تطوير علومهم، والتي أشاعها العرب في مختلف أنحاء العالم، بعدما كانوا يعتمدون على الأرقام اللاتينية التي لا تصلح إلا للعدّ البسيط.

    -   صناعة الورق "ورق البردي" وترجمة الكتب الإغريقية القديمة إلى اللغة العربية، لينقلها الغرب إلى اللاتينية، نذكر منها مؤلفات أرسطو طاليس، أفلاطون، فيثاغورس..إلخ .

    -      التجربة العلمية وهذه الأخيرة تجسّدت في محاولتهم تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن ثمينة، إلا أنهم استطاعوا بهدفهم الخيالي العثور على معادن ثمينة في الكيمياء التي كان لها بعض الشّأن في الطب وغيره.

     وعليه فإنّ العرب كانوا السباقين إلى العلوم الّتي طوّرها الغرب في عصر الركود الفكري العربي، وهذا يعكس التاريخ الحضاري العربي بكلّ جوانبه وما عرفه من تطوّر العقول البشريّة، ويعود ذلك إلى البعثات العلمية إلى القسطنطينية وبلاد الرّوم لتعلّم اليونانية لترجمة العلوم التي ارتكزت حينها في بغداد ومصر، ونخص بالذكر مؤلفات فلاسفة الإغريق التي نقلت من لغتها الأصلية" اليونان والفرس والهند" إلى اللغة العربية. فكان بذلك لتلك النهضة العلمية الأثر الواضح في مختلف العلوم؛ علوم الحكمة والمنطق والطبيعة والكيمياء والجغرافيا والفلك والرياضيات الطب والفلسفة، وهذه الأخيرة عرفت ازدهارا في تلك الفترة، كما كان لها الدور في" توجيه الفكر الفلسفي في أوروبا زمنا طويلا، فلقد أضاف علماء العرب وفلاسفتهم أمثال الفرابي Farabi والغزاليGhazaliAl وابن سينا Avicenna وابن رشد AVERROES  الكثير لما سبق أن عرفه العرب عن الفكر اليوناني، ويرجع الفضل للعرب في هذا المضمار..، نحو تنسيق الاتجاهات الفكرية..، فأصبح للمعرفة..، هدف معيّن..، ومنهاج قويم نسج على منواله علماء الغرب وفلاسفتهم حينما انتقل الفكر العربي إلى أوروبا بعد فتح العرب للأندلس سنة 710م". فالثّقافة اليونانية كان لها الأثر الكبير على الثقافة العربيّة التي أثْرَت الفكر العباسي، وذلك عن طريق حركة النّقل والترجمة التي استطاعوا من خلالها نقل الفكر والتّراث اليوناني، الّذي أسهم في ازدهار علم الكلام عند العرب وفي نشأة علم الفلسفة الإسلاميّة وتشكيل نظرية نقدية عربيّة، ليستفيد بذلك الغرب من إنجازات العرب. وإنّ إعادتهم إحياء التراث الفكري اليوناني بعودتهم إلى الأسس الفلسفيّة التي اعتمدوها في مناهجهم ومذاهبهم وأفكارهم، كان له بالغ الأثر على حركة النقد، لينتج بذلك تعالق بين هذا الأخير والفلسفة في العصر الحديث، "وهذا التلاقح بين مختلف الحضارات ساهم في رقيّ وتقدّم حركتهم الفكرية الأدبية والنّقدية. والمعروف أنّ الجمال قيمة، وهدف يسعى الفنان إلى أن يضمنه فنّه ويحققه في إنتاجه، وما يلبث الفيلسوف أن يشارك بفكره عمل الفنان: مقوّما له، ومحللا لما ينطوي عليه من أهداف، وصلة فلسفة الجمال هي بمثابة صلة المنطق بالنظريات العلميّة". ليستفيد بذلك الفكر الأوروبي من الفكر العربيّ، ولا يمكننا تجاوز الدور الّذي أدّته صقلّية في نشر الثّقافة والعلوم والمعارف العربية في أوروبا، "ويكفي أن نذكر أنّ القديس توما الأكويني St.Tomas Aquinas  تعلم هناك، وأصبح فيما بعد أحد الأعمدة الّتي شيدت عليها الثقافة الأوروبية طوال العصور الوسيطية". وعليه يمكننا القول أنّ نهضة الغرب ارتكزت على الثقافة العربية بالدرجة الأولى حين كان الأدب في أزهى عصوره، كما أنّها ارتكزت على الثقافة اليونانية بإحيائهم لتراثها الفكري وإعادة بعثه من جديد، وكان ذلك بالعودة إلى المخطوطات اليونانية التي كان لها الفضل في تشكيل معالم اتجاههم النقديّ، حيث "خضع النقد في إنجلترا في عصر النهضة للاتجاهات النقدية السائدة في أوروبا وبخاصّة في إيطاليا في القرنين الرابع عشر والخامس عشر..، والمقصود بعصر النهضة، ذلك البعث الجديد للتراث الفكري الّذي ساد اليونان وإيطاليا قديما". فما ساعد على تطور الحركة الفكرية والأدبية والنقدية الغربية ما قدّمه العرب من إنجازات، وذلك بترجمتهم لمؤلفات كبار الفلاسفة الإغريق، بالإضافة إلى" المخطوطات والنّصوص اللاتينيّة الّتي بدأ بِتْرارْكْPétrarch ، بجمعها(1304-1384)، في إيطاليا، والبحث عن المكتبات المهجورة وغيرها من الأماكن الأثريّة، لتخرج بذلك كتابات شِيشْرون CeceroK وكويْتَلْيانْ Quintilien  من الظّلمة إلى النّور، إضافة إلى مؤلّفات الكثير من الشّعراء والكتّاب والمؤرّخين، وقرب نهاية القرن الرّابع عشر وصل العالم اليوناني مانْويل كَرِيزُلورَاسْ Manuel chrylsoloras  إلى فلورانسيا، وأخذ يعلّم لغته اليونانيّة، ثمّ تواردت المخطوطات اليونانيّة بعد ذلك إلى إيطاليا بكثرة غير معهودة''. متأثرين بالنقد الروماني الّذي قام على فلسفة أفلاطون التي كانت سائدة آنذاك عند الكلاسيكيين ليحيي الرومانسيون آراءه من جديد، فازداد بذلك إقبال العلماء على التراث الفكري القديم إلى منتصف القرن الخامس عشر وأخذ الاتّجاه النّقديّ يتكوّن، لتتبلور بعض الآراء النّقديّة حول هذه المخطوطات متّخذين فلورانسيا ونابولي مركزين لها، ''ولم يقتصر هذا الذّوق على النّواحي الأدبيّة فحسب، بل تعدّاه إلى أمور الحياة ومشاكل العالم، والاتّجاهات الفكريّة بشكل عام، ولقد تعرّضت هذه الدّراسات اليونانيّة للطّبيعة البشريّة وأفاضت في الحديث عن النّاحيتين، الفكريّة والخلقيّة، وتمركزت هذه الدّراسات حول الإنسان وعظمته وقوّة فكره، ممّا يميّزه همّا عداه من سائر المخلوقات''.

    2.   النّقاد العرب ودورهم في تطوير الحركة النقدية في عصر النهضة الحديثة:

     إذا عدنا إلى النقد في العصور السابقة نجده نقدا انطباعيا عفويا ساذجا لا يخضع لقوانين وضوابط،  لينحصر بذلك في أحكام ذاتية جزئيّة غير معللة أساسها الذوق الخاص؛ نقد غير ممنهج لا يخضع للموضوعيّة، لا تحكمه قوانين ولا تضبطه قواعد، يستحسن بيتا أو يستهجنه نتيجة انفعال نفسي أو إحساس يعتمده كأداة لإصدار أحكامه، شأنه شأن النقد عند اليونانيين قبل أفلاطون وأرسطو؛ إذ كانت تمنح الجوائز لأصحاب النّفوذ والسّلطان من قبل   " حكام تختارهم حكومة أثينا عن طريق الاقتراع، تأتي بهم في المسابقات العامّة الّتي كانت تجريها في المواسم". وقد شهد النقد العربيّ تطوّرا بنزول القرآن الّذي أعجز جهابذة وأساطين اللغة العربية وفصحائها بآياته المحكمات، فكان النقد والإصلاح غايته، حيث تعددت فيه أساليب البلاغة والبيان، فسجعه كان من أرفع درجات الكلام لا تكليف ولا زخرفة ولا غموض فيه، فتلك الأساليب خلبت الألباب وبهرت الأدباء، فلا عجب أن يكون النقد والإصلاح غايته والحكمة هدايته، ليتحوّل نحو مدارسة القرآن الكريم والوقوف على أحكامه متجها نحو مفاهيمه الشرعيّة واللغويّة والفكريّة. وما ساعد على تطور الأدب والنقد الأسواق العربية التي كانت تجرى فيها المناظرات والمفاخرات والمنافرات من ذلك سوق عكاظ، سوق ذي المجاز سوق مجنة..، التي كان يقصدها فصحاء الأعراب من كل فج عميق." فالنصوص الأدبية كانت تقدّر على أساس قيمتها من الناحية الأخلاقية والنفعية بعيدا كل البعد عن الجانب الجمالي الفني، لا يستند لأسس ونظريات وقواعد ومبادئ كالتي تبناها قدامة بن جعفر الّذي حاول " أن يخضع الشّعر للعقل الفلسفيّ اليونانيّ ويشتقّ له أصولا مضبوطة، فألّف كتاب" نقد الشّعر" الّذي كان له الأثر الكبير في أوساط النّقّاد والبلاغيين، مستلهما فيه كتاب أرسطوطاليس الّذي خصّه بالشعر وحده"، مستعينا في ذلك باللغة السّريانيّة الّتي عدّت وسيلة من الوسائل الّتي ساعدته على الترجمة، بحكم أنّه كان أعجميّا نصرانيّا قبل أن يسلم على يدي الخليفة المكتفي بالله، والنّصارى من السّريان الّذين عُدّوا الأكثر نقلا لآثار الفكر اليونانيّ إلى اللّسان العربيّ. فظهور قدامة بن جعفر في أوائل القرن الرّابع وعودته إلى البيان اليونانيّ وما فيه من موازين للنّقد، الأثر الكبير في وضع أسس النقد الأدبي التي لقح بها البيان العربيّ، ليحدث بذلك تطوّرا جديدا في بحوث النّقد.

     كما يعدّ حازم القرطاجنّي من المتأثّرين بحكمة اليونان وفلسفتهم ومنطقهم، إذ نجده كثير الاستشهاد بكلام أرسطو معتمدا في ذلك على تلخيص كلّ من ابن سينا وابن رشد لكتاب الشّعر الخاص بهذا الفيلسوف، وهذا ما أشار إليه أحمد كمال زكي في كتابه النقد الأدبي الحديث، الّذي ذهب فيه إلى أنّ حازما القرطاجنّي من أشهر المطبّقين لنظريات أرسطو وآرائه على البلاغة العربيّة، مبديا اهتمامه بالصّناعة الشعريّة بالإضافة إلى الآمدي، عبد القاهر الجرجاني، ابن سلام الجمحي البصري وغيرهم من رواد الحركة الأدبية في عصورها الذهبية. فأنشأت المدارس العربية والإسلاميّة في مكة والبصرة والكوفة، وهذه الأخيرة عدّت الغذاء الروحيّ للعقول من خلال دعوتهم إلى حسن اختيار الألفاظ التي تتناسب مع مواضيع المؤلفات المدروسة، والبعد عن التصنع والتنميق اللفظي حتى لا تضيع المعاني، لكن ذلك لم يدم بسبب ضعف الأدب ونقده بعد عبد القاهر الجرجاني بسبب تصلب الأذهان والعقول. "وما ساعد على انتشار الحركة الجديدة وضع التراث القديم في بوتقة النقد ومن ثمّ أمكن إخضاعه للذوق الفني"، فعادوا إلى النصوص القديمة يدرسونها ويتذوقونها، باحثين عن مواطن الجمال فيها، بعيدا عن الذاتية والجزئية في إصدار الأحكام، حيث ذهب إرازموس إلى القول بأنّ " النّصّ يجب أن ينظر إليه ككلّ..، فوضعوا له أسسا عامة تسير على نهجها الكتابة الجيّدة". ومن النقاد المحدثين الّذي عادوا إلى أصول الشعر القديم وتقاليده الموروثة وتصدوا لنتاج الشعراء المعاصرين حسين المرصفي في كتابه الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية، "الّذي تناول فيه أصول التشبيه وجودته، وصحّة المعاني وشرفها، وموافقتها للنظم وما إلى ذلك مما وضعه القدماء أساسا لما يعرف بعمود الشّعر" ، والناقد محمد المويلحي بدوره حاول إحياء التراث النقديّ وتجديده مستجيبا بذلك لمتطلّبات العصر وتيّاره الفكري، مشيدا بأهميّته في الأدب "وأثره في النهوض به، وبيّن كيف عرف الغرب قيمته، ولم ينتبه العرب إلى منزلته..، ثمّ يعقد نجيب حدّاد مقارنات بين الشعر العربي والغربي من حيث الاصطلاحات والألفاظ والمعاني والأوزان..، ثمّ يدعو النقاد إعادة النّظر في الشعر العربي الحديث، للتخلّص من عوامل الركود والجمود الّتي حالت دون تطوّره حتّى تخلّف عن الشّعر الغربيّ". ليتحرر بذلك الشعراء بعد النهضة من قيود وأغلال الاستبداد والتقهقر، بانعتاق فكرهم نحو حرية التعبير عن آرائهم وانتقاداتهم. ليظهر بذلك جيل جديد يدعو إلى النزوع إلى الجديد نظرا لاكتساح ما لا يتلاءم وروح العصر من قضايا ومواضيع وطرق تعبير، وهذا التحرر كان ناتجا عن عوامل سياسية، اجتماعية وتاريخية جعلته ينتفض ضد الأوضاع نحو صحوة جعلته يتحرر من الألفاظ الأعجمية، ومن قيود الصنعة ليتوارى بذلك التنميق اللفظي، وتصبح السيادة للغة الفصحى التي أعادوا إحياءها بعدما حاول المستعمر استبدالها بلغة غيرية. وقد عرف الطور الأول من عهد النهضة بحرص أرباب النقد على الصياغة النحوية واللغويّة حتى تستعيد اللغة العربية مكانتها وصفاءها وقوتها وجزالتها، وتنهض من كبوتها بعدما أصابها الضعف والتهجين، ويعود الفضل في ذلك إلى اتصال الشرق بالغرب، وتتلمذ الطلبة على أيدي أساتذة لهم ذوق فني وثقافة أدبية راقية، ولاتساع مجال الكتابة وحرية التعبير، وباعتماد النقاد على مقاييس عقلية وفلسفية؛ على المنطق والموازنة والتحليل متقصين المعنى قبل المبنى، متجردين من الذاتية مرتكزين في ذلك على الموضوعية على الأحكام المعللة لا ينظرون إلى موضوع البحث إلا بعين العلم ليزنوا كل شيء بميزانه. وما ساعدهم على ذلك الصحافة التي استطاعوا من خلالها أن يعبروا عن آرائهم، تطلعاتهم، عن تجاربهم الإنسانية التي عكسوا بها ثقافتهم العربية، وبينوا من خلالها نضج الأقلام وتخلص العقول الراجحة من مخلفات المستعمر، لتتعدد بذلك الآراء بتعدد المدارس والمذاهب الأدبية التي ظهرت عن طريق المثاقفة، وبفضل فن الطباعة الحديثة وبالتحديد مطبعة بولاق التي طبعت فيها أمهات مؤلفات الأدب العربي القديم، حيث ساهمت في خلق مذاهب جديدة اعتمدها النقاد لدراسة الإبداع الأدبي بعد دخول مصطلحات الشعر الأوروبي –مثلا- إلى النقد العربي ورسوخها في الشعر الجديد من ذلك الوحدة العضوية وترابط أبيات القصيدة، مع العلم أنّ المرصفي قد وقف على هذه القضية النقدية الّتي عدّت من أهمّ مصادر النقد العربي الحديث و وذلك في كتابه الموسوم بـ: "الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربيّة" بتقريعه لقصيدة البارودي التي عارض فيها قصيدة أبي نواس في وزنها ورويّها بقوله:

    تلاهيْتُ إلاّ ما يجِنُّ ضميـــرُ

    وداريْتُ إلاّ ما ينِمُّ زفيـــــــــرُ

    وهل يستطيعُ المرءُ كِتْمانَ أمرِه  

    وفي الصّدر منهُ بارحٌ وسعيرُ؟

    فيا قاتلَ اللهُ الهوِى ما أشــدَّه     

    على المرءِ إذْ يخلو به فيُغيـرُ

    تلينُ إليه النَّفس وهْيَ أبيَّـــةٌ    

    ويجْزع منه القلبُ وهْوَ صبورُ

     

    فعاب عليه تشتت أبياتها منتقدا افتقارها للوحدة العضويّة بقوله:" انظر هداك الله لأبيات هذه القصيدة فأفردها بيتا بيتا، تجد ظروف جواهر أفردت كل جوهرة لنفائسها بظرف ثمّ اجمعها، وانظر جمال السياق وحسن النسق، فإنّك لا تجد بيتا يصح أن يقدّم أو يؤخّر ولا بيتين يمكن أن يكون بينهما ثالث، وأكلك إلى سلامة ذوقك وعلوّ همّتك إن كنت من أهل الرّغبة في الاستكمال لتتبع هذه الطريقة"، مرتكزين في ذلك على مبادئ وأسس لتطوير الأدب والنهوض به. كما نجد عباس محمود العقاد ينتقد شعراء الجيل الماضي لعدم استقصائهم معنى الأدب والشعر، معتبرا إدراكهم لخطوات التّجديد في الأدب المعاصر إدراكا ناقصا مبتورا، وذلك في كتابه "شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي". وطه حسين بدوره اعتمد على أصول وقواعد نقدية غربية في دراسته للأدب الجاهلي، أسهمت في نشأة النقد الأدبي العربي الحديث في مصر، وتتمثل هذه المبادئ في:

    -      الاستعانة بالعلوم والمعارف الإنسانيّة المختلفة في دراسة الأدب وتاريخه، جيّده ورديئه.

    -       الاعتماد في دراسة الأدب على الموازنة والاستنباط والاستقراء الكامل، بالارتكاز على العوامل التي تأثرت به وأثرت فيه.

    -   الاعتماد على المناهج العلميّة الحديثة التي من شأنها أن تبصر النقاد بالجمالية الفنية للنصوص الأدبية من ذلك ، متأثرا في ذلك بمنهج "تين" المنهج الجبري الّذي طبقه على الأدب في فرنسا، باعتبار أن القصيدة بدورها لا بد أن تخضع للبحث والنقد والتحليل شأنها شأن خضوع المادّة لعمل الكيمياء.

    -   الاعتماد على الذوق العام والخاص لأن الحياة الفنية تجمع بينهما؛ فالذوق العام يعطيها حظا من الموضوعية، أما الخاص فيعطيها حظا من الذاتية، ليتوسط بذلك الأدب بين العلمية والفنية. 

    -  الاستعانة بعلم النّفس لدراسة روح الشاعر واستنباط منازع حياته وتعليل أدبه، وذلك بالوقوف على أبعادها الذاتية والموضوعية التي تنعكس على إنتاجه الأدبي والفكري، بعد تناولهم هذه الشخصية بالدرس والتحليل.

    -      الابتعاد عن الغلو في التصوير (الخيال)، بأن يجمع الشاعر في نظمه بين الخيال والعقل و يبتعد عن تجسيم مالا سبيل إلى تجسيمه.  

    وقد عرفت هذه الفترة محاولات نقدية محمودة اتسمت بطابعها العلمي الموضوعي البعيد عن الأحكام الانطباعية من ذلك: كتاب "الغربال" لميخائيل نعيمة حيث تجلّت فيه آراؤه النّقدية، وفي مقالاته التي نشرها بجريدة السائح، كتاب" الفن ومذاهبه في الشعر العربي والفن ومذاهبه في النثر العربي" لشوقي ضيف، ليجاروا بذلك الحركة النقدية الغربية ليواصل طريقه نحو التقدم والتطور من خلال تبني أصحابه مناهج نقدية جديدة تعينهم على التفسير والتحليل والتعليل والاستنتاج.

     ويمكننا أن نجمل أسباب تغيّر صورة النّقد في عصر النّهضة العربيّة إلى:

    -       الظروف السياسيّة والاجتماعيّة: كانت هذه الأخيرة سببا في ظهور نقد جديد مختلف تميّز بخصائص وعناصر أدّت إلى هذا الجديد" لقد أنشئت اعتبارا من ذلك الحين الأسس العقائديّة للنّقد الأدبيّ في الوقت نفسه حيث سيخلق التّطوّر السّياسي والاجتماعي أوضاعا ملائمة لنشأة النّقد الحقيقي، على أنّه فنّ خاصّ، بل وأبعد من ذلك باعتباره مهنة.

    -       الصّحافة وجهاز الأساتذة: حيث أنشأ نابوليون الجامعة وعلى إثرها كانت البداية الفعليّة للنّقد حيث شرع الصّحفيّون والأساتذة بعد الاستبداديّة الإمبراطوريّة بالتّفكير والتّكلّم والكتابة في شيء من الحرّيّة.

    -       الطّباعة: وباعتبار الصّحافة والطّباعة صورا من صور النّهضة ولما تتيحانه من الحرّيّة كان لهما الفضل الكبير في إحداث الجديد والانقلاب في عصر النّهضة.

    -       الجديد الّذي طرحته الحياة: والّذي انعكس في فنون الأدب المختلفة الّتي ظهرت استجابة للعصر وعلى أساسها تغيّر النّقد وحدّدت مبادئه والأمر هنا يتعلّق بجملة من الفنون الّتي أصبحت مجالا للشّعر منها المستحدثة كالشعر السياسي والاجتماعي وهي أغراض عبّر بها الشّعراء عن واقعهم إثر الحركات الاستعماريّة، وصور الاضطهاد والظّلم، وكلّها تقتضي تقتضي سبلا جديدة في النقد لتتعامل معها، تتعدّى مسألة الفنّيّة والجماليّة، وإلى جانب هذه الأغراض ظهرت فنون جديدة وليدة هذا العصر، وكانت أثرا من آثار نهضته وتفاعله مع غيره من الآداب من ذلك:

    *   الشّعر المسرحي الّذي رفع لواءه في الأدب العربي أحمد شوقي، حيث يجد فيه الشّاعر سعة للتّعبير المستفيض عن أماني النّفوس وآلامها وآمالها، يعكس من خلاله أحوال المجتمعات، ويعمل على بسط الأحداث التاريخيّة واستخلاص العبر منها، وقد وقف النّقاد عنده طويلا؛ حيث انتقدوا تعدّد بحوره وقوافيه وتنوّعها في البيت الواحد والتي عدّوها عيبا من العيوب، وأمارة من أمارات عجز استحضار القوافي والاقتدار عليها.

    *   الشّعر القصصي: الّذي يصوّر حوادث في من عصور تاريخيّة، عاكسا الآراء والأفكار والمعتقدات .

    *    فنّ القصّة: وهي تعدّ من فنون الأدبيّة التي أقبل عليها القراء إقبالا منقطع النّظير، ما جعل الكتّاب يعتنون بها، وحتّى النّقّاد لما تتميّز به من  خصائص فنّيّة جديدة، إذ أنّها استطاعت أن تصل إلى الذّروة من حيث الازدهار والنّضج الفنّيّ في نظر كثير من النّقاّد. 

    وعليه فإنّ النّقد العربيّ الحديث ارتبط أيضا بالتّيّارات الفكريّة الغربيّة على اختلافها، فكانت صورة لوعي الفكر العربيّ، ما أحاله على العديد من المستجدّات الّتي كانت بمثابة صدمة أصابت العالم العربيّ فأيقظته من سباته، والقول بهذه الإرهاصات هو طرق لمجمل المرجعيّات الّتي استقى منها النّقد آلياته الإجرائيّة الجديدة.