المحاضرة الثالثة: النقد الإحيائي
الخطوط العريضة للقسم
-
جامعة: مرسلي عبد الله ''تيبازة''
معهد: اللغة والأدب العربي
مقياس: النقد الأدبي الحديث المستوى: الثانية ليسانس/ تخصص: دراسات لغوية
أستاذة المقياس: د. بن عبد الله ثالث
المحاضرة (3) النقد الإحيائي
استطاع الأدب الغربي والعربي أن يخرج من مرحلة الاحتضار إلى مرحلة اليقظة والنهوض، وقد عرفا في هذه الفترة ظهور مذاهب أدبية حديثة في مقدّمتها المذهب الكلاسيكي الّذي تندرج تحته مدرسة الإحياء والبعث أو مدرسة المحافظين أو الاتّباعيين؛ حركة إحياء العلوم والآداب التي تعدّ من أهمّ مراحل عصر الانبعاث. فكيف ظهر المذهب الكلاسيكي عند الغرب والعرب؟. وما العوامل التي ساعد على ظهوره؟. ما دور مدرسة الإحياء والبعث؟. ومن هم أشهر روادها؟. وماهي أهم المبادئ التي تبنّتها؟.
1. الكلاسيكية والأدب الغربي:
تعدّ الكلاسيكية من أقدم المذاهب الأدبية الحديثة التي عرفتها أوروبا في عصر نهضتها التنويرية، لتصحو هي بدورها من سبات القرون الوسطى متخذة من التراث اليوناني واللاتيني الذي أعادت إحياءه وبعثه سبيلا لتحقق به التقدم في مختلف العلوم والآداب. "تمتدّ أصولها إلى أدب اليونان والرومان، وما توارثته أوروبا من القيم الفنية، ويقف في المرتبة الأولى من الآثار اليونانية والرومانية ما كتبه كبار الفلاسفة والمفكرين حول الأدب وأصوله وأنواعه مثل أفلاطون، هوراس. وقد بقي أثر أرسطو في تقويم الشّعر وتقسيمه إلى ثلاثة أنواع الغنائي والملحمي والتمثيلي مأخوذا به في الآداب الأوروبية، وبقي حديثه عن الشعر التمثيلي Drama مؤثرا في تقويم المسرح الكلاسيكي وبنائه على الوحدات الثلاث التي أشار إليها: وحدة الموضوع والحدث، ووحدة الزمن ووحدة المكان". وقد انتقلت خصائص هذا المذهب وتبلورت في إيطاليا في القرن السابع عشر، لتنتقل بعدها إلى فرنسا، حيث أرسى دعائمه جهود المفكر الفرنسي كورني – أبو المأساة الكلاسيكيّة- هو و راسين و موليير -أبو الملهاة الفرنسية-، وDa.Bellay الّذي أكّد على ضرورة محاكاة أدب القدامى اليوناني خاصّة فنّ المسرح الّذي بلغ كماله في الأدب الإغريقي واللاتيني حتى يرتقي ويسمو أدبهم، وكان ذلك بسيادة النزعة الإنسانية في عصر نهضتهم الأوروبية، التي عبّر بها الشعراء عن قضايا تتعلق بالفرد والمجتمع والأمّة، ومن أسباب ظهوره حسب ما ذكره النقاد والمؤرخون:
- هجرة علماء القسطنطينية إلى إيطاليا بعد سقوطها على أيدي الأتراك.
- نقلهم للمخطوطات الإغريقية واللاتينية التي عملوا على نشرها أثناء دراستهم بجامعاتها، بمساعدة فن الطباعة الّتي أتاحت للأدباء التعرف على تلك الآثار الأدبية القديمة التي لم يكن لهم عهد بها، وذلك بتمجيدها بإعادة إحيائها ومحاكاتها.
- الموضوعية: وذلك بتغليب العقل على العاطفة والبعد عن الذاتية، وقد ظهر في هذه المرحلة ديكارت حيث سادت الفلسفة والنزعة العقليّة، جاعلين العقل وسيلتهم في تقويم العمل الأدبي، ملتمسين الأصالة فيه، بالعودة إلى ما جادت به ذاكرة السّلف من قصائد.
2. الكلاسيكية والأدب العربي:
ظهرت في الوطن العربي في أواخر القرن التاسع عشر، حيث عرف هذا المذهب بتطلع أدبائه إلى القديم بانتقاء روائع أدبه، وإعادة إحيائه وبعثه من جديد لما فيه من تميّز وتفرّد؛ بمحاكاته في أسلوبه وأغراضه وبنائه، وبخاصة أدب العصر العباسي والأندلسي، إذ اعتبرت بذلك قصائد شعراء المحافظين صورة عنه وصدى له وركيزة من ركائزه حيث أصبح للشعر أثر محمود فيه. وقد تجلّى تأثير الكلاسيكية في الأدب العربي في الشعر المسرحيّ الّذي انتقل عن طريق المثاقفة وحركة الترجمة، وبخاصة المسرحيات اللاتينيّة من ذلك ترجمة رائد التأليف المسرحي مارون النقاش مسرحية (البخيل) لموليير، ترجمة سليم النقاش مسرحيتي: (هوراس) لكورني و(ميتردات) لراسين. كما ظهرت في مسرحيات أحمد شوقي الّذي كان اتّصاله بالأدب الكلاسيكي اتصالا مباشرا، حيث تشرب مبادئه من مصدره ومنبعه الأصلي نظرا لاحتكاكه بالثقافة الفرنسية، متأثرا في ذلك كورني وراسين وبمسرح شكسبير الشعري، لتعدّ بذلك مسرحياته من المحاولات الرائدة في الشعر العربي، حيث "قدّم للشعر العربي الحديث أصول المسرح الشعري برواياته التي استوحى معظمها من تاريخ العرب أو المصريين"، نذكر منها مسرحية مجنون ليلى مصرع كليوباترا- مأساة شعرية-، لتتبعتها محاولات أخرى عكس بها نضجه الفكري.
1.2 مدرسة الإحياء والبعث:
إذا وقفنا على الدلالة اللغويّة للفظة الإحياء فإننا نجدها تتخذ عدّة معان بحسب ما يضاف لها؛ فهي تدلّ على إعادة بثّ وبعث الحياة في الكائنات الحيّة وهي ضدّ الإماتة، إحياء التراث العربي يكون بالعودة إلى أدب القدامى وبث الحياة فيه وإعادة بعثه من جديد، وإحياء السنة النبوية يكون بالعودة إلى العمل بها وتعليمها ونشرها بعد هجرها. أمّا إحياء علوم الأدب فهي "تسمية أطلقت على حركة إحياء التّراث القديم اليوناني والروماني في الحياة الأدبيّة لعصر النّهضة"، حيث عرفت الحياة الفكريّة الغربية تطوّرا بعودتها للتراث اليونانيّ القديم الّذي أحيته من جديد، فلفظة الإحيائية بذلك تدلّ على" نزعة إحياء القديم من فلسفات أو أفكار أو مذاهب أو نظم"، وكانت هذه المرحلة بالنّسبة للغرب من أزهى المراحل وأكثرها ازدهارا، وهذا الأخير لم يكتف بإحياء التّراث الفلسفيّ لكنّه عمل على إعادة إحياء الأجناس الأدبيّة الكبرى من بينها الملحمة، ليؤسسوا بذلك حضارة انطلاقا من ركيزة القدامى. وهذا ما كان من العرب الّذين تأثّروا واتّبعوا آخر ما وصل إليه تيّار النّهضة الغربيّة، ليظهر الاتّجاه الإحيائي الّذي جاء نتيجة اصطدامهم بالحملة الفرنسية التي دفعت بهم إلى العودة إلى التراث العربي القديم الأصيل، لا الانقياد التام نحو الحضارة الغربية التي أخذوا منها ما يخدم أدبهم منعكفين على دراسته، ليثبتوا بذلك صلتهم الوثيقة بموروثهم الذي ساعدهم على إثبات شخصيتهم العربية والمحافظة على هويتهم، وما ساعدهم على ذلك حفظهم أحسن ما جدت به الذاكرة العربية، ليستعيد بذلك الأدب والنقد مكانتهما بعدما ران الإسفاف والفتور والجمود على حياة الأدب العربي؛ إذ بات كالمريض المدنف الموشك على الموت المحتاج لصدمة تعيده للحياة من جديد، فكانت بذلك الحملة الفرنسيّة على مصر 1798 صدمة حضاريّة وبداية للعصر الحديث، مستفيدا من الحركة الفكريّة الغربيّة التي كانت سببا في نهضة الأدب عند العرب ودفع عجلته نحو التطور والتقدم. وكان "نواة هذه الحركة جمعية المعارف التي ألفت سنة 1868، وما لبث أن نمت نموا سريعا، وعنيت كثيرا بإحياء عدد كبير من الكتب التاريخية والأدبية العربية، كما عنيت بنشر طائفة من الدواوين الشعرية، التي أنتجتها العصور العربية الزاهرة في المشرق والأندلس..، وما ساعدها على ذلك المطبعة التي يسرت لها نشر تلك الكتب ومكنت القراء من الانتفاع لها على نطاق واسع"، لتستفيد بذلك فئة المثقفين من الإرث الحضاريّ العربيّ، وما يحتويه من روائع وذخائر تضمّنتها نفائس المؤلفات التي استطاعت أن ترتقي بالأدب وبمواضيعه وبكلماته ومعانيه، دون أن ننسى جهود رفاعة الطهطاوي ومن عاصروه الّذي سعوا هم بدورهم إلى إعادة إحياء الكتب العربية القديمة، متأثرين في ذلك بأساتذتهم المستشرقين.
1.1.2 مدرسة البعث في الشعر العربي الحديث ومرجعياتها الفكريّة:
عرف الشّعر في عصر التنوير بالمحافظة والتقليد بعودته إلى إرثه الحضاري الضارب بجذوره في أعماق تاريخه وفكره العربيّ الأصيل، الّذي سعى رواده على إعادة إحيائه وبعثه من جديد، بالحركة بعد الضعف والجمود بعيدا عن التعقيد والتنميق، مبديا تمسّكه بأصالته الفكرية، وقواعده اللغوية، واستجابته للحياة الاجتماعية والإنسانية، محتفظا في ذلك بأغراضه الشّعريّة التقليدية التي عرفها في العصور السابقة من بينها: الوصف الّذي انتقل فيه الشعراء من وصف المشاهد الحسية إلى التعمق في الجوانب النّفسية، والتعبير عن الوطنية وتمجيد البطولات. المدح الّذي عدّ من الأغراض الشعرية الشائعة الأكثر توظيفا في قصائد القدامى، ليحافظ على مكانته في أدب العصر الحديث من حيث العناية والإقبال، فلم يعد تعظيما لفرد بل صار مدحا لبطولة، أو لإنجاز أو رمز من الرموز. أمّا الرثاء فقد ازدهر في العصر الحديث بسبب كثرة التقلبات السياسية التي تسببت في نفي الكثير من الشعراء الّذين فقدوا أحبتهم وهم في ديار المنفى لينظموا قصائد في رثائهم، ورثاء الزعماء والعلماء والمدن وحتّى الدول، وهو بدوره لم يفقد خاصيته كغرض قديم بل حافظ على خصائصه متخذا بعدا توعويا وعظيا إرشاديا. ومن أشهر الشعراء الّذين برزوا في هذه المرحلة والّذين كان لهم الفضل في إنقاذ الشعر من الهوة السحيقة: عبد الله البستاني، أحمد شوقي، حافظ إبراهيم، اللذان قال عنهما طه حسين في كتابه حافظ وشوقي: " كلا الشاعرين قد رفع لمصر مجدا بعيدا في السماء، وكلا الشاعرين قد غذّى قلب الشرق العربي نصف قرن أو ما يقرب من نصف قرن بأحسن الغذاء، وكلا الشاعرين قد أحيا الشعر العربي وردّ إليه نشاطه ونضرته ورواءه، وكلا الشاعرين قد مهّد أحسن تمهيد للنهضة الشّعريّة المقبلة الّتي لا بدّ أن تقبل، هما أشعر أهل الشّرق العربي منذ مات المتنبّي وأبو العلاء من غير شكّ"، ومحمود سامي البارودي الّذي عدّ زعيم مدرسة الإحياء والبعث، إذ نجده "يترسّم في أغراضه ومعانيه، وفحولة لفظه أبا فراس، والمتنبّي والشّريف الرّضي والطُّغرائي، فجاء صورة عنه". مغترفا بذلك معانيه وأخيلته من القاموس العربي القديم شأنه شأن من عاصروه، ناقلا من خلاله تجارب إنسانية خالية من التكلّف والتصنّع، " فأعطى للشعر العربي من الفصاحة والنّصاعة والرونق ما طال عليه العهد بفقدانه من القرن الرابع للهجرة، وأهمية البارودي ترجع إلى أنّه ثبّت هذه الطريقة الّتي لا تندفع مع الجديد إلى الأمام في تهوّر، ولا مع القديم إلى الوراء في غير تحفظ، بل هي توازن موازنة دقيقة بين الجديد والقديم موازنة لا تقوم على الإحياء لأصول شعرنا المتوارثة، دون أن تطغى هذه الأصول على حياة الشاعر، ومحيط بيئته ومشاعره ومشاعر قومه". فهو يعدّ من الشعراء الّذين خرجوا عن الأغراض القديمة إلى أغراض أخرى لم تعرف من قبل، ليعبّر عن تجربة شعرية صادقة لينطلق نحو التجديد، فتناول في قصائده غرضان شعريان خلقتهما المدنية والظروف الاجتماعية والسياسية بسبب كثرة الأحداث وظاهرة الاستعمار في البلاد، مصورا بذلك واقع شعبه ونضاله ضدّ قوى الظلم والاستبداد، ضد الواقع المتردي ممثلا بذلك صوت الشعب والمجتمع، "فالاتجاه النفسي الصادق في مهاجمة الأجنبي، كانت من مظاهر التّجديد الّتي فرضتها عليه ظروف بلاده ونفيه..، فتلك الأحداث جرّته للاهتمام بالمعنى، والعناية التامة بالحدث..، لكن الشاعر لم يترك جزالة الشعر القديم وأصالة الأدب في مضمونه ومعانيه"، ويتمثّل هذان الغرضان في:
v الشعر السياسي: وهو ذلك النظم الّذي يهتمّ يعبّر به الشاعر عن نزعته النضالية الوطنية والقومية الداعية إلى الثورة والمطالبة بالاستقلال واسترجاع السيادة، معتزا فيه بأمجاد الأمّة وتضحياتهم، ناقلا من خلاله الأحداث والوقائع، محفزا به الهمم موقظا به الضمائر التي خدّرها المستعمر. ومن الشعراء الّذين تناولوا هذا الغرض الشعريّ محمود سامي البارودي الّذي نجده يدعو شعبه إلى الثورة على العدوّ واستغلال الفرصة لحصد رؤوس الدّخلاء الّذين عثوا في أرضهم فسادا، لتحقيق العيش الكريم عوض الرضا بالظلم والذل والخزي وذلك في قوله:
فَيَا قومُ هُبّوا إلى العُمر فُرصَــةٌ
وفي الدّهرِ طُرْقٌ جَمّةٌ ومنافــعُ
أَصبْرًا على مسِّ الهَوانِ وأنتــمُ
عديدُ الحصَى إنِّي إلى الله راجـعُ
وكَيْف تَروْن الذُّلَّ دارَ إقامـــةٍ
وذلك فضلُ الله في الأرض واسعُ
أرِى رُؤُوسا قد أينعت لٍحصادِهـا
فأيْن ولا أيْن السُّيوف القواطــعُ
فكونوا حَصيدا خامدين أو افزَعوا
إلى الحَرْب حتّى يَدفعَ الضّيمُ دافعُ
v الشعر الاجتماعي: هو ذلك الشعر الذي يعبّر فيه الشّاعر عن أحوال الشعوب وأمراض الأمة ومشاكلها، بحكم أنّ الشاعر هو المخوّل للتعبير عن قضايا مجتمعه عن آلامه، معاناته، آماله..، كما نجده يدعو إلى التآخي والتزام القيم والفضائل.
ليعدّ بذلك شعره من اللبنات والإرهاصات الأولى للشعر السياسي والاجتماعيّ، الّذي اتّخذ بعدا وطنيا، قوميا وإنسانيا، نتيجة الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي كانت تعاني منها مختلف الدول العربية بصفة عامة وطنه بصفة خاصة، ليتغلف شعره بغلاف الطغيان والمرارة والشّقاء، حيث تغنى شعراء هذا النوع من القصائد بالحرية واسترجاع السيادة، مستنهضين الهمم من خلال بعثهم روح النضال والتحدي في النفوس ودعوتهم إلى الوحدة، مسخرين بذلك يراعهم للدفاع عن وطنهم وعن الأمة الإسلامية التي كانت تحت نير السلطة الاستعمارية، معالجين من خلال شعرهم القضايا والمعضلات التي يعيشها أفراد المجتمع. ومن ناحية المبنى فقد حافظ الشعراء على وحدة البيت واستقلاليته، كما حافظوا على أوزان الشعر التقليدية التي تخضع لنظام الشطرين، محافظين بذلك على نظام القصيدة الخليلية وعلى وحدة الوزن والقافية. كما أثبت شعراء المدرسة تمكّنهم من اللغة العربية التي أصبحت تحاكي لغة الأدب في أزهى عصوره، وما ساعدهم على ذلك اهتمام الأدباء والنّقّاد بأصولها؛ بالجانب النّحويّ والبلاغيّ الّذي أصبح بالنسبة لهم الأساس الّذي تقاس عليه النّصوص الأدبيّة، وذلك بحسن اختيار اللفظ وجزالته ورصانته، وخضوعه لقواعد اللغة، متأثرين في ذلك بنوابغ الشعراء الّذين مثلوا الشعر في أزهى عصوره أحسن تمثيل، مركّزين فيها على لغة القرآن والحديث بعدما عرف الأدب الضّعف والرّكود، وهذا ما عبّر عنه محمّد التونجي بقوله:'' ركد الأدب وتحجّرت عقليّة الكثير من أدبائه ولغوييه، فظنّ المفكّرون أنّ إعادة الحياة إلى جسم الأدب غدت من المستحيلات بعد غفوة دامت خمسة قرون تحت نير العصر العثماني، لكنّ رياح الثّقافة الغربيّة هبّت على الشّرق، فأحيت موتاه وأعادت الحياة إلى جذوره اليابسة فثبتت فروعه بدعائم راسخة، وخاف لفيف من الأدباء على الأدب العربيّ من هجمة الغرب أن تذوب شخصيّته وتزول معالمه، ونظروا إلى العصر العبّاسيّ بمنظار المشتاق، يستعيدون به أمجادهم، ويستلهمون تراثهم، فأعملوا الفكر في إزاحة غشاوة التّقهقر والانحطاط بادئ ذي بدء، ثمّ أخذوا يدرسون إنتاج الأقدمين من أدب ونقد، ثمّ ما لبثوا أن أخذوا بالإبداع بعد الاتّباع''. وقد عُرف هذا التّغيير في النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر، فأظهروا فيه التّمسّك والمحافظة على التّراث العربي القديم بمحاكاته، وبربط إبداعهم الأدبيّ بالواقع، ليحافظ بذلك على هويته التي فقدها ردحا من الزمن.
وانطلاقا مما سبق ذكره نستنتج أنّ النهضة الأدبية الحديثة استطاعت بفضل روادها الارتقاء باللغة العربية وببيانها، وتجديد الأدب بعد انفتاحه على فكر الأوروبي، الّذي دفع به إلى إحياء التراث العربي القديم وإعادة بعثه من جديد، وذلك بعودتهم إلى منابع النقد والشعر القديم الّذي اغترفوا منه معانيه وأخيلته ولغته، معتمدين في ذلك على النقل المباشر (الاستمداد المباشر) الّذي وجدناه يتشعّب إلى اتجاهين على حدّ تعبير عبد الحكيم راضي: التسليم والانقياد الّذي مثّله أعلام الإحياء من مصر والشام وذلك بأن يستمدّ الناقد والأديب أفكاره ومقولاته من تراث أمّته، والاتجاه الثاني المتمثل في الانتقاء والانتقاد الّذي مثله حسين المرصفي رائد حركة النقد في العصر الحديث الّذي جارى النقاد القدامى في بعض الأمور وانتقدهم في مواطن منها، إذ نجده لا يهتدي إلى تعريف قدامة بن جعفر للشعر" أنه الكلام الموزون المقفى" ، وهذا ما يدفعنا إلى الوقوف على ما تضمنه قوله:" وقول العروضيين في حدّ الشعر، إنّه الكلام الموزون المقفى، ليس بحد لهذا الشعر باعتبار ما فيه من الإعراب والبلاغة والوزن والقوالب الخاصّة، فلا جرم أنّ حدّهم لا يصلح له عندنا، فلا بدّ من تعريف يعطينا حقيقة من هذه الحيثية فنقول: إنّ الشعر هو الكلام البليغ، المبني على الاستعارات والأوصاف المفصّل بأجزاء متفقة في الوزن والروي، مستقل كل جزء في غرضه عما قبله وبعده، الجاري على أساليب العرب المخصوص به"، ليظهر أثرهما في النقد الحديث من خلال سعي الإحيائيين إلى تجديد الشعر بالارتكاز على التراث النقدي والشعريّ القديم، ليوافق بذلك في تعريفه تعريف ابن خلدون " الّذي يرى ضرورة أن يكون الشعر ضربا من الكلام البليغ الّذي تزينه الاستعارة والوصف الجميل، وأن يكون الشّعر مفصلا بأجزاء متفقة في الوزن والروي وألاّ يبتعد عن أساليب العرب"؛ الشعر المبني على التخييل غير المجنّح البعيد عن العواطف الجياشة والانفعلات المتأججة التي عكس بها روعة التصوير من خلال توظيف، الاستعارات، والاعتماد على وحدة الوزن والقافية وعلى البحور الخليلية وعلى وحدة أو استقلالية البيت وتفرّده.
وقد ظهر في هذه الفترة شعر المعارضات، ويقصد به تلك القصائد الّتي نسجها قائلوها على نسق قصائد مشهورة سابقة بعد عودتهم إلى ينابيع الشعر العربي الأولى وصفوة شعرائه، فنظّموا على موسيقاها، والتزموا موضوعها وبحرها وقافيتها، لأنّها نالت إعجابهم من جمال نظمها وصورها الفنّيّة، وعايشت تجاربهم الشّعوريّة في مضمونها، وإنّ هذه المعارضات تدلّ على تقدير اللاّحقين للقصائد المتقدّمة، وحرصهم على محاكاته، واستلهام صورها والتّجديد فيها. وهذا النوع من الشّعر كان متداولا في الشّعر الأندلسيّ على حدّ تعبير بعض النّقّاد، عرف ازدهارا في العصر الحديث حمل رايته شعراء مدرسة الإحياء كالبارودي وشوقي الّذي عدّ إمامها، فقصائده كانت بعثا وإحياء لقصائد البحتري في الوصف، والمتنبّي وأبي تمّام في الحماسة..، ومن أمثلة ذلك سينيّة شوقي الّتي عارض فيها قصيدة البحتري في وصف إيوان كسرى مطلعها قول البحتري:
صُنتُ نفسي عمّا يدنّس نفسي وترفَّعْتُ عنْ جدا كُلّ جِبْسِ
ونجد شوقي يستهل سينيّته بشجونه وحنينه إلى مصر، ليبكي ملاعب شبابه وعهود صباه وذلك في قوله:
اختلافُ النّهار واللّيلِ يُنسي اذكُر لي الصّبا وأيّام أُنْسي
أمّا البارودي فقد بدأ بمعارضة فحول الشعراء العربيّة القدماء البارزين، وكان يتنازع البارودي عاملان:
- القدرة على المجاراة.
- القدرة على الابتكار.
فبالعودة إلى التراث العربي القديم، وإلى لغتة وقواعد السلف من الشعراء وإلى تقليد القصيدة في شكلها ومضمونها، هو إحياء لها وللأدب العربي الذي اتسم بالأصالة والجودة، من مختلف الجوانب: البياني، التركيبي والموسيقي من مبادئها:
- المحافظة على اللّغة في صورتها الفصيحة والأصيلة مكتوبة كانت أومنطوقة باعتبارها مقوّما أساسيّا من مقوّمات الأدب العربيّ، فبات يعتمد في الكتابة على الأصول التّقليديّة وذلك بـ: - تخيّر اللّفظ الفصيح الرّصين، الجزل، للمعنى الصّحيح المصيب، والملاءمة بين اللّفظ واللّفظ، وبين المعنى والمعنى، في كلّ ما يُكوّن هذا الانسجام الخاصّ الّذي يستقيم به الشّعر والنّثر في لغتنا العربيّة الفصحى، مع الحرص كلّ الحرص على الإعراب والإيثار للألفاظ الصّحيحة الّتي تقرّها -مجامع اللّغة المعروفة وحدها.
- ضرورة تقيّد الشّعر بالوزن والموسيقى وملاءمتها للمشاعر والأحاسيس، ''فالشّعر بخياله وموسيقاه وبفكره وعواطفه، بوجدانه وألفاظه بأنغامه وأوزانه، ينطوي على ألوان الحركة المتجاذبة المنتظمة في أجزاء، تشكّل كلاّ موحّدا موْقِعًا متناغما لا يشوبه أيّ تشويش أوخلل يحمل ضلالا تحت خطوطه، ليؤدّي وظيفته بتجرّد وتجاوب في حركة منتظمة بين الألفاظ والتّعبير، إلى جانب الأفكار والعواطف والموسيقى تلتقي هذه الدّلالات مع سواها من عناصر متكاملة، لتكوّن من الشّعر فنّا ذا دلالة يحمل رمزا وإيحاء، وصوتا ونطقا، تتساوى كلّها في طريقة الأداء الجميل الأجمل''.
وانطلاقا ممّا سبق ذكره يمكننا إيجاز أسباب ظهور مدرسة الإحياء في مايلي:
- "جاءت كردّ فعل على الركود الّذي شهدته الحركة الفكرية والأدبية والاجتماعية في عصر الانحطاط.
- الغيرة الدينية التي دعت الإحيائيين إلى الاهتمام بكل ما هو عربيّ إسلامي.
- الظروف التي صاحبت الجهاد القومي، والتي خلّفت حسّا إحيائيا اتّجه إلى الموروث العربي القديم يفتش في المثل الأعلى في الفن والحياة والسلوك".
- إحساس كثير من المثقّفين بوجوب إبراز رقيّ الثّقافة العربيّة وجلال حضارتها، فواجهوا الثّقافة الغربيّة الوافدة بثقافة عربيّة أصيلة، تحيي روائع التراث القديم ونشره.
- إنشاء دار الكتب المصريّة(1870) التي لعبت دورا كبيرا في نشر الثّقافة، ولفت أنظار المثقّفين إلى تراثهم وما فيه من روائع.
- إنشاء جمعيّة المعارف 1868 التي عملت على إحياء عدد من الكتب التاريخيّة والأدبيّة، ونشر طائفة من الدّواوين الشّعريّة الّتي أنتجتها العصور الزّاهرة في المشرق والأندلس، وبذلك تمكّن القرّاء من الانتفاع بالكتب التي تمّ نشرها على نطاق واسع.
- النّضال الّذي شهدته هذه الفترة عمّق الإحساس بفكرة الالتفات إلى مجد الماضي وتراث الأمس، وذلك بالعودة إلى المعجم العربيّ القديم والاغتراف منه، وبالعودة إلى أمجاد العربيّة وفصاحتها وسلامة قواعدها، ''فالنّهوض بهما يكون بإحيائهما والعودة بهما إلى ما كانا عليه، وهنا تكون كلمة إحياء بمعنى إعادة الأمر إلى ما كان عليه في سابق عهده..، ففي مجال الإبداع فإنّ القديم هو المثل الأعلى الجدير بالمحاكاة والتّقليد"، الّذي جعلهم يتخلّصوا من قشور الصنعة، محافظين بذلك على جزالة الألفاظ وتناسقها، وذلك بعودتهم إلى زمن العطاء والنتاج الفكري الّذي بحثوا فيه واغترفوا من قاموسه، دون إغفال دور الفكر الإسلامي والقرآن الكريم الّذي عدّ أساس فكرهم وحضارتهم.
وقد عرفت هذه الفترة بروز مرحلتين في محاكاة قصائد القدامى:
- مرحلة التّقليد التام، وذلك بمحاكاة الأدب العربي القديم شكلا ومضمونا، وهو تيار محافظ إلى حد التعصب، التمس فيه أصحابه قصائد الأصالة، بالعودة إلى ما جادت به ذاكرة السلف، خاصة الأدب في عصوره الذهبية.
- مرحلة الانطلاق والبناء والتّجديد وذلك بالخروج على عادة القدامى بالأخذ مع ما يتلاءم وروح العصر، وهي مرحلة إحياء يحيط بها الوعي حول هذا الأخذ، ليكتسب من خلاله الموهبة والطبع، ثمّ الانطلاق من العصر لتحمل بذلك مرحلة الإحياء التّجديد بداخلها، ومن أصحاب هذا الاتّجاه حسين المرصفي الّذي يعتبر صاحب الخطوة الجدّيّة الأولى على طريق التّجديد في النّقد الأدبيّ ومن روّاد البعث الأدبي المعاصرين ومن بناته الأصليين، وذلك في كتابه: الوسيلة الأدبيّة للعلوم العربيّة. قدّم فيه زادا ثقافيّا متكاملا ''يتكفّل بتجنيب دارسه الخطأ في استعمال اللّغة والوصول به إلى القدرة على إنشاء القول البليغ شعرا ونثرا''، فكتابه لم يقتصر على الأدب وروايته، بل شمل جميع علوم اللّغة العربيّة من نحو وصرف وعروض وفصاحة بيان، وبديع ومعان.
فإحياء اللغة عند المرصفي لا تقتصر على الشّكل والقالب فحسب، بل على الفرد أن يساير العصر وهو أهمّ شرط نادى به زعماء الإحياء والبعث، وهي نظرة تعيد إلى الصّورة البيانيّة قيمتها ودورها، بعد أن تحوّلت في نظر المتأخرين وفي أشعارهم إلى حلا فارغة وطلاء خارجيّ زائف، ومنه جرى ضرورة:
- اكتساب الموهبة وعدم الاقتصار على تقليد مفرغ من روحه.
- حفظ شُداة الشّعر أكثر ما يستطيعون من الشّعر الجزل القديم، على أن ينسوا ما حفظوه حتّى لا يظلّوا عبيدا له، وينقلب شعرهم إلى ترقيع على حدّ تعبير المرصفي وذلك في قوله:''اعلم أنّ لعمَل الشّعر وأحكام صناعته شروطا: أوّلها الحفظ من جنسه؛ أي من جنس شعر العرب حتّى تنشأ في النّفس ملكة ينسج على منوالها..، ومن كان خاليا من المحفوظ فنظمه قاصر ورديء، ولا يعطيه الرّونق والحلاوة إلاّ كثرة المحفوظ، فمن قلّ حفظه أو عدم لم يكن له شعر، إنّما هو نظم ساقط، واجتناب الشّعر أولى بمن لم يكن له محفوظ، ثمّ بعد الامتلاء من الحفظ وشحذ القريحة للنّسج على المنوال يُقبِل على النّظم، بالإكثار منه تستحكم ملكته وترسخ، فالشّعر لا تنمو ملكته في النّفس إلاّ بكثرة مطالعة الجيّد منه وحفظه كلما استطاع الشباب إلى ذلك سبيلا''. فالملكة عند العرب كانت مستحكمة و مترسّخة فيهم، عكس المحدثين اكتسبوها بالصناعة والاستقراء وتكرار وحفظ الكثير مما جادت به قرائح فحول الشعراء " فحصول ملكة اللسان العربيّ، إنّما هي بكثرة الحفظ من كلام العرب، حتّى يرتسم في خياله المنوال الّذي نسجوا عليه تراكيبهم فينسجَ هو عليه"، مع مراعاة حسن اختيار أساليب القدامى والاهتداء بقواعدهم وحسن تراكيبهم في ممارسة النظم، حتى يصل إلى الذوق الّذي يعدّ مرحلة من مراحل رسوخ ملكة اللسان، إلى جانب المعرفة بأصول اللغة النحوية والبلاغية.
- الدّربة: بعد حصول الملكة لا بدّ من الدّربة الطويلة على النّظم، والإكثار منه حتى تستحكم الملكة، فالّذي لا شكّ فيه أنّ الكتابة عامّة والشّعر خاصّة، يجب أن يحذقها صاحبها بطول مران وهذا الأخير سينتج عنه خلق وإبداع فني.
- وهذا ما كان من البارودي – تلميذ المرصفي- الّذي يعدّ رائد مدرسة الإحياء والبعث، الّذي انطلق من فكرة الحفظ وضرورته في الإبداع لاحتواء الثّقافة العربيّة القديمة.
وانطلاقا مما سبق ذكره يمكننا القول أنّ مدرسة الإحياء تمثّل الكلاسيكيّة الجديدة في محاكاة الأدب العربيّ القديم، قامت دعائمها في عصر النّهضة الأوروبيّة على التّراث اليونانيّ، وعلى التراث القديم- الجاهليّ إلى العباسيّ- في العالم العربيّ، أمّا مبادئها فتتلخّص في:
- التزام القصيدة الإحيائيّة بموسيقى القصيدة القديمة، وذلك بمحافظتها على الوزن والقافية.
- اعتبار البيت وحدة للقصيدة.
- استهلال القصيدة بالغزل وإن لم يكن متّصلا بموضوعها، أو بالنسيب ( ما يمر به الشاعر من معاناة).
- اعتماد الخطاب على عادة القدامى.
- تعدد الأغراض الشعرية القديمة والنّظم فيها: المدح، الهجاء، الرثاء والفخر...
- اغتراف الألفاظ من المعجم أو القاموس الشعري القديم.
- تعدد الموضوعات في القصيدة الواحدة.
- تقليد القدامى في معانيهم وصورهم وأخيلتهم وألفاظهم وتراكيبهم باحترام أصول اللغة وقواعدها، وذلك بالجمع بين اللفظ الفصيح والتركيب البليغ غير المتكلف فيه، والجودة والوضوح، للارتقاء بالكلمة بعد الضّعف والابتذال.
- تعبير الشّاعر عن روح العصر، نتيجة وعي بعض الشّعراء لدور الشّعر في خدمة الحياة الاجتماعيّة، الثقافيّة والفكريّة.
- التعبير عن صدق التجربة الفنية والخبرة النفسية.
2.1.2 مدرسة البعث في النثر العربي الحديث:
لم يسلم النثر في عصر من الضعف والإسفاف والابتذال ليتواصل ذلك إلى بدايات عصر الانبعاث - بداية القرن التاسع عشر- الّذي عرف بضعف تراكيبه، وبالتنميق الّذي طغى على نصوصه، ونخص بالذكر السجع الّذي أفقده المعنى المقصود، بسبب الغموض والتعمية، لتنجلي هذه الظاهرة بالتدريج. وقد اتسعت أغراض النثر وفنونه ليتناول هو بدوره مشكلات الحياة وقضايا المجتمع، وشحذ الهمم وإيقاظ الضمائر، معلنين من خلاله رفضهم لاستكانة الشعوب والرضى بالذل والهوان، بالثورة على العدو وبث الشعور الوطني والقومي، ليشمل بذلك النثر الرسائل الإخوانية، النثر السياسي، الاجتماعي. ومن أقطاب هذا الفن ناصف اليازجي، أحمد فارس الشدياق، إبراهيم اليازجي، سليمان البستاني، مصطفى لطفي المنفلوطي معتمدين فيه على:
- حسن تخير اللفظ ووضوحه.
- البعد عن التنميق اللفظي
- التأنق في نظم العبارات.
- توظيف الخيال.
ومن الفنون النثرية التي عرفت ازدهارا ورقيا في عصر النهضة الأدبية الحديثة:
v الخطابة: لم تلق الخطابة حضّها قبل عصر الانبعاث حيث أنّها بلغت مبلغا زريا؛ إذ اقتصر تقديمها في المساجد في الجمع، والأعياد، والمعابد فحسب، إلاّ أنّها عرفت الانتعاش بعد الفتور في عصر النهضة الأدبية – منتصف القرن التاسع عشر- حيث " كانت الثورة العِرابيّة في مصر من مظاهر الوعي القومي ومن أكبر حوافزها، ليتسع مجالها بإنشاء الجمعيات العلمية والأدبية ونُظُم القضاء، والمحاكم الأهلية ونظام المرافعات، لتنتعش معها ملكة اللغة العربية، فوثبت الخطابة وثبة عظيمة نحو الرقيّ والكمال في شتى الموضوعات". وقد عرفت بتعدد أغراضها الدينية والسياسية والاجتماعية التي كانت تهدف إلى من خلالها الدعوة إلى التمسك بتعاليم الدين والثورة على العدو لتحقيق الحرية والاستقلال، وكذا إصلاح المجتمع، "فدأبت تحمل الطلاب على المباريات الارتجالية، ليتعوّدوا ذلاقة اللسان، وتستوسق لهم ملكة الفصاحة، وكانت مدارس الرّهبان أعجل من غيرها إلى تعهّد هذا الفنّ وإحيائه، لاضطرارهم إلى الوعظ والإرشاد في الكنائس، فظهر منهم خطباء مصاقع، دانت لهم أعواد المنابر، ونهضت بهم الخطبة الدينية نهضة ميمونة". لنستخلص مما سبق ذكره خصائصها المتمثّلة في: براعة الاستهلال والقول الفصاحة وروعة الأداء بالحرص على مخارج الحروف، وقوة الحجج والأدلة والبراهين. ومن النقاد الّذين برزوا في هذا المجال: جمال الدين الأفغاني فيلسوف الشرق، ومحمد عبده الّذي سار على دربه حيث حملت خطبهما بعدا سياسيا، دينيا، واجتماعيا.
v القصة: بلغت القصة تطورا ورقيا في عصر النهضة، ويعود ذلك للعوامل التالية:
- انكباب الشرقيين على ترجمة قصص الأدب الغربي منهم: نجيب حداد اللبناني الذي ترجم رواية (الفرسان الثلاثة) لإسكندر دوماس الفرنسي في أربعة أجزاء طبعة 1888، وطانيوس عبده الّذي أنشأ مجلة الراوي، ضمنها تعريب الروايات الشهيرة: فوست، الملكة إزابو، ومجلة الروايات الجديدة لنقولا رزق الله.
- عودة الأدباء إلى تاريخهم العربي الأصيل، الّذي استمدّوا منه أحداث وشخصيات قصصهم من ذلك: فتاة غسان و عذراء قريش لجرجي زيدان.
- تعدد الروائيين والألوان الروائية بعد الحرب العالمية الأولى منها النفسية، الاجتماعية التاريخية والإصلاحية، من ذلك رواية ميخائيل نعيمة " كان ما كان و اللقاء، وجوه وحكايات لمارون عبود..، وقد شمل هذا الفن مصر، لبنان، سوريا والعراق.
- إنشاء مجلات خاصّة "تعنى بالترجمة والوضع، غير أنّ الكتاب آثروا في تأليفهم القصة القصيرة، يحاولون بها غالبا تصوير حياتهم أو حياة الإقليم الّذي يعيشون فيه..، أمّا القصص الطويلة فلم يخرجوا منها إلاّ نزرا يسيرا، فلذلك ترجى نهضة الأقصوصة قبل نهضة القصّة"، باعتبار أنّ الأقصوصة عرفت نضجا ونموا وتحديدا في الملامح مقارنة بالقصّة.
ثورة 1919 وما سببته من غلبة التيار الفكري الغربي، ومن رغبة في خلق تيار أدبي مصري، يجعله يحتل مكانة ومنزلة في الأدب العربيّ الحديث.
- ظهور فنون أدبية تحمل طابع وملامح الفن القصصي، من ذلك فن السيرة أو الترجمة الذاتية الّذي مثله طه حسين في كتابه الأيام، وفن اليوميات الّذي مثله توفيق الحكيم في كتابه يوميات نائب في الأرياف.
v الصّحافة: عدّت الصّحافة من العناصر الدّخيلة التي نزحت بنزوح نابوليون إلى مصر، لتصبح بذلك مصر مهد الصحف الأولى وتلتها الجزائر بصحيفة المبشّر التي نشرتها الحكومة الفرنسية سنة 1847، وقد عرفت التطور والازدهار على يد اللبنانيين الّذين رفعوا من شأنها، فكان لهم بذلك الفضل في بعثها وإحيائها، كما أنّها عرفت بنشاط حركة الأقلام المبدعة في عهد إسماعيل الخديوي الّذي عرف بتشجيعه للحركة الفكرية وحرصه على نشر ما يجود به الأدباء، عكس النقاد الّذين تعرضوا للنفي بسبب استهدافهم له في كتاباتهم، لتعرف بعده نهوضا ملموسا وانطلاقا وحرية في التعبير مطالبة برفع الوصاية على مصر التي كانت تحت الحماية البريطانية، ليرتفع بذلك صوت المصريين فأصبحت منبرا يطالبون من خلاله الحرية والاستقلال، وقد شهدت صحف مصر " بعد الحرب تقدّما عظيما، جارت به صحف أوروبا في جرمها وترتيبها وتصويرها، وبرقياتها وأخبارها، أمّا الصحف اللبنانية في بيروت فقد تقهقرت تقهقرا مشؤوما..، ولم ينبض لها وتر إلا بعد أن نودي بالدستور العثماني سنة 1908، فعادت إلى النهوض والانتشار..، وكذلك الصحف السورية والعراقية". وعليه فإنّ الصحافة استطاعت بفضل يراع أدبائها ونقادها أن تنهض بالشعوب الذين دفعتهم للانتفاضة والنهوض والثورة من خلال استنهاضها للهمم، كما يعود لها الفضل في نقل الثّقافة الغربية لأهل الشّرق الّذين أطلعتهم على آخر المستجدات في مختلف المجلات السياسية، الاجتماعية، الثقافية، الأدبية والنقدية، وممن كان لهم الفضل في نهضتها: بطرس البستاني، أديب إسحاق، إبراهيم اليازجي..إلخ.
وخلاصة القول أننا إذا عقدنا مقارنة بين الشعر والنثر لوجدنا أنّ " النثر كان أعجل تفلّتا من أغلال التكلّف والتقليد"، مقارنة بالشّعر، إذ يعود الفضل في تحرره من قيود الصنعة اللفظية وفي تطوره إلى :
- احتكاك الشرق بالثقافة الغربية واستفادة العرب منها.
- الصحافة التي فتحت الأبواب على مصراعيها للأدباء والنّقاد للتعبير عن الآراء والأفكار بكلّ حرّية، وما ساعدها على ذلك ظهور فن المقالة التي كان لها الدور في إعادة إحياء التراث وبعثة وتجديده.
- الانفتاح على الثقافة والكتابة الغربية، وبالتالي الانفتاح على الفنون العالمية.
- ظهور النقد الأدبي الحديث.
- ترجمة صحف الأعاجم ومصنّفاتهم.
- نشر مخطوطات بلغاء الكتاب المطبوعين كابن المقفع، ابن خلدون، ابن عبد ربّه، وأبي الفرج الأصفهاني، الجاحظ، والاستعانة بها في التدريس.