الخطوط العريضة للقسم

  • -البلاغة عند العرب في الجاهلية:

    مقدمة :

    نشأت البلاغة في العصر الجاهلي وارتبطت ارتباطا وثيقا بالنقد، فلم تكن نشأتها مكتملة الملامح والفصـول والأبواب، وإنما كانت عبارة عن آراء النقدية مبثوثة هنا وهناك ،فقد كانت البذور الأولى لنشأتها عبارة عن أحكام نقدية متفرقة ، ولعل أكثرها كان ملاحظات متناثرة تفتقر في غالبها للمنهج العلمي، إذ اشتهر العرب بالفصاحة اعتمادا على سليقتهم وقدرتهم على التعبير باختيار الألفاظ الدقيقة والمناسبة والمعبرة عن المعنى المقصود ، فكانت البلاغة تعتمد على الذوق الفطري السليم والوجدان الشعري   وفيه شيء من التعليل السليم ، فكانت أشعارهم اللسان الناطق بحالهم ، وتعرض في نواد وأسواق جُعلت أساسا للافتخار والمبارزة الشعرية، يحكمها محكّمون يُشهد لهم بالفصاحة يُحكمون على الأشعار بالجودة أو الرداءة كالنابغة الذبياني الذي كانت تنصب له خيمة حمراء ،حيث كان الشعراء يتوافدون إليه لعرض أشعارهم ، ثم يحكم بينهم ليصبح حكمه الفاصل بين الشعراء  وينتشر بين الناس، ولا يمكن لأي كان معارضته وفقا للأحكام المعمولة بها آنذاك، ولعل أشهر الوقائع التي تظهر وجه البلاغة في أولى مراحل ظهورها ما وقع بين الخنساء وحسان بن ثابت ثم ما وقع بين علقمة الفحل وامرؤ القيس ، فقد أنشدت الخنساء النابغة قصيدة في رثاء أخيها صخرا فاُعجب النابغة بشعرها مما أوقع الشحناء بينها وبين حسان بن ثابت، وغضب على النابغة وقال بأنه أشعر منه ومن أبيه وحدث أن قال حسان الأبيات المشهورة  :

    لَنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يلمعنَ بالضُّحى        وَ أَسْيَافُنَا  يَقْطُرن مِنْ نجْدّةٍ دَما

    وَلَدْنا بَني الْعَنْقاءِ وَابْنَيْ مُحَرِّقٍ           فَأَكْرِمْ بِنَا خَالاً وَاكْرِمْ بِنَا أبْنَمَا

    فقال النابغة إنك لشاعر لولا أنك قللت عدد جفانك، وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك ولو قلت الجفان لكان أكثر. وقلت يلمعن في الضحى ولو قلت يبرقن بالدجى لكان أبلغ في المديح؛ لأن الضيف بالليل أكثر طروقًا. وقلت يقطرن من نجدة دمًا فدللت على قلة القتل ولو قلت يجرين لكان أكثر لانصباب الدم وفخرت بمن ولدتَ ولم تفخر بمن ولدَك فقام حسان منكسرًا منقطعًا [1].

     

    فكان التفاضل بين الشعراء في نظمهم جودة السبك وقوة التأثير، ولا فضل لهذا على ذاك إلا ما قال ونظم ، فالحَكَم هنا  الذوق والفطرة القائمان على السليقة لا على الأنساب ،وقد تولّدت  هذه الآراء النقديّة من الفطرة التي نشأوا عليها، فزوج امرئ القيس حكمت لأنّ أذنها سماعية ، ولم تحتكم للقرابة ،  وهذا ما يجعل البلاغة في هذه المرحلة قائمة على تمييز الجيد من الكلام من رديئه، فكثر بذلك البلغاء  و ساد فيهم الخطباء والشعراء الذين ما فتئوا يفاخرون بأقوامهم و يخلدون أيامهم ومآثرهم. فتراهم يحرضون الناس إذا احتدم النزال، و يهجونهم إذا فروا من القتال، فيستنهضون الهمم بأقوالهم وأشعارهم و كثيرا ما أوقدوا نار الفتن و الحروب بحروفهم وكلماتهم، فقد كان البيت الواحد يرفع أقواما ويضع آخرين ، لذلك كانت مكانة الشاعر عندهم أقوى و أكبر من مكانة الفارس، فلا نكاد نجد قبيلة تفاخر بنفسها إلا إذا نبغ فيها شاعر        أو ولد لها صبي.

    و العرب أمّة كسائر الأمم، تميزت بلغتها وجعلت من البيان اللسان الناطق بحالها، و العرب جعلوا من اللغة  الأداة التي يفتخرون بها فيما بينهم، فهي التي تلائم حياتهم البدويّة و ظروفهم المعيشيّة.

    و كانوا آنذاك  يعيشون  تحت كنف الظروف القاسية،  و حروب الضارية، وهذا من أقوى الأسباب التي  جعلت لغة قريش تتربع على عرش الفصاحة والبلاغة ، فقد هذبت الحروب الألفاظ وانتقتها وعن طريقها ملكت قريش طرائق الحديث البيان، ونسيت التفاخر بالمال والجِمال و النخيل، و تباهت بالبيان والفصاحة و الكلام الجميل، و ما سوق عكاظ و مجنّة و ذي المجاز(1) إلا دليل على ذلك، فكانت خير مكان لتجمع الشعراء وعرض نتاجهم الشعري، وقد عقدت بها المناظرات والمسامرات والمحاورات بين الخطباء، بل حتى الشعراء الذين كانوا يفدون إلى مكة في مواسم الحج، إذ كان الشعر مرتجلا يزينه بريقه وعفويته البليغة. فرفعت قصائد الشعراء على أستار الكعبة مخلدين بذلك أشعارهم في أجمل حلة من البيان، إذ كان البيت آنذاك يضع أقواما كما أنه يرفع آخرين.

    و هكذا أصبح الشعر ديوان العرب كما يقال بفضل الشعراء  الذين كانوا زعماء العرب وساداتهم، وعلت مكانتهم بين الأقوام، فها هو لسانهم الخليط يتبوأ أعلى مراتب البيان،

     

     

     

    -البلاغة عند العرب في صدر الإسلام:

    مع نزول القرءان بلغة قريش التي جمعت الفصاحة والبيان لسببين : سبب ديني وهو توافد الحجاج من كل حدب وصوب نحو مكة ، وسبب اقتصادي تجاري (رحلتا الشام واليمن )، كل هذا جعل من لغة قريش لغة سائدة فصيحة ، ومن أكبر الدلائل على أن قريشا قد بلغت من البلاغة درجة عالية رفيعة، أن كان القرءان معجزة الرسول ﷺ و حجته الدالة على نبوته ؛ دعاهم الله إلى معارضته، وتحداهم بأن يأتوا  بمثل بلاغته، وقد تحدى الله أساطين قريش حيث أعجز القرءان بلغاء العرب وفصحاءهم ،ويكمن إعجاز القرءان في بلاغته ومعانيه وأسراره ومجازه ، فقد تحدى الله المشركين بأن يأتوا بشيء من مثله فعجزوا، قال تعالى ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ والْجِـــــنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُـــواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا الْقُـرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثلْهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهمْ لِبَعْضٍ ظَهَيرًا ﴾ [سورة الإسراء ،الآية 88]، وبعد العجز صار التحدي بأن يأتوا بعشر سور من مثله، فنكسوا على رؤوسهم، قال عز من قائل: ﴿ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَـٰتٍ﴾ [سورة هود، الآية 13] . ثم تحداهم الله أخرى على أن يأتوا و لو بسورة، فقال: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [سورة البقرة،الآية23]، فبهت الذي كفر، فالإعجاز واقع في بيان القرءان الكريم و نظمه و تناسق حروفه،  و دلالة معانيه، لذلك كان التحدي من الله للمشركين، مــــع كثرة فصحائهم و بلغائهم، فلم يستطيعوا مجاراة القرءان (1) ، ولقد كان للقرآن الكريم الأثر البارز والدور الكبير في ظهور البلاغة ،نجد ذلك  في قوله تعالى ﴿ أٌوٌلئَكَ الّذّيَن يَعلم‘ آلله‘ ماَ في قلوبِهِم فَأَعِرض عِنهمُ وَقٌل لّهٌم فِى أَنفٌسِهِم قَولَا بَليِغا﴾" ( سورة النساء / الآية 63 ) ،فإذا ذكر القـرآن الكريم ، ذكـــرت  البلاغة معه  مرادفة له  كونها اهتمت بروعة القرآن الكريم وسحره .

     

    نشأة ُعلمِ البلاغة :

    نشأت البلاغة في مرحلتها الأولى  كآراء نقدية مبثوثة هنا وهناك ، الغرض منها تصويب الأخطاء والتذوق الذي كان يتمتع به الشعراء والبلغاء لأن أذنهم سماعية تستطرب كل ما هو جميل،  ففي هذه المرحلة لم تكن ملامح البلاغة واضحة تماماً، ولم تكن لتتبنى مسائل وقضايا كاملة إنما كانت تقتصر على الملاحظات ، ثم تطورت شيئا فشيئا و أخذت البلاغة شكلاً مغايرا حيث أصبحت تلك الآراء النقدية  والملاحظات لتصبح  مبثوثة في بطون الكتب النقدية ، لتكتب بعد ذلك وتدون في فصول كاملة، لكنها لا زالت مختلطة بهذه المؤلفات ولم تفرد  لها كتبٌ خاصة بها.

    ثم وصلت البلاغة إلى مرحلة الاكتمال والتطور، ففي هذه المرحلة اتخذت البلاغة صيغة محددّة اتسمّت بوضوح المعالم؛ حيث أصبحت عِلّماً مستقلاً له مؤلفاته الخاصّة، وبهذا استطاعت البلاغة التخلص من التبعية والتحرر من كونها مبثوثة في مؤلفات النقد والشعر.

    هناكُ خلاف بين العلماء حول مؤسس علم البلاغة؛ فمنهم من يقولُ بأن واضع علم البلاغة هو الجاحظُ من خلال كتابه البيانُ والتبيينُ ، وقيل بأنه الجرجاني من خلال مؤلفيه البارزين دلائل الإعجازِ وأساس البلاغة وقيل بأنه ابن المعتزِّ المتوفى 296هـ  بكتابه البديع ، وقيل أن واضعه  أبو يعقوب السكاكيُّ من خلال كتابه المفتاح ،واستقرت بظهور علم البيان، وعلم البديع، وعلم المعاني، هذه الاختلافات رغم وجودها وكثرتها إلا أن الذي يهمنا هو نشأتها كعلم قائم بذاته له أسسه وضوابطه، فالعبرة ليست بمن وضعه أولا إنما العبرة بظهورها  كعلم، ومن الجدير بالذكر أنّ التطوّر الوحيد الذي طرأ على علوم البلاغة في تلك الفترة هو استحداث فنون أخرى من الفنون التي تنتمي إلى علوم البلاغة الثلاثة، وخاصة علم البديع الذي نتجّ عنه فروع عدّة ([2]) .

     

    -الغايةُ منَ البلاغة:

    البلاغة في اللغة العربية اسم مشتق من الفعل الثلاثي (بلغ) بمعنى أدرك الغاية أو وصل إلى النهاية. و«البليغ»، هو ذاك الشخص القادر على الإقناع وهذا المعنى يتوافق مع ما هو شائع عند الناس ، كون الإقناع استمالة المتلقي قصد التأثير فيه ،فالإقناع  هنا موجه بشكل دقيق إلى عامة الناس بمختلف نزعاتهم وثقافاتهم وتوجهاتهم الفكرية والدينية ،وهو ممارسة فعلية قائمة على الحجج والبراهين العقلية والمنطقية.

     إضافة إلى كون البلاغة  تأديةُ المعنى الجميل واضحاً بعبارةٍ صحيحة  فصيحة ٍ،لها في النفس أثرٌ ساحر ٌ،مع ملائمة كلِّ كلامٍ للموطنِ الذي يقال فيه ، والأشخاصُ الذين يُخاطَبون .

    -عناصرُ البلاغةِ :

    هي لفظٌ ومعنًى :

    ورد في كتاب التعريفات أن "اللفظ: ما يتلفظ به الإنسان - أو مَن في حكمه - مهملًا كان أو مستعملًا"، وقال في تعريف " المعنى: ما يقصد بشيء"( [3]) .

    أما صاحب المقاييس، فقد ذكر أن: "(لفظ): اللام والفاء والظاء كلمة صحيحة، تدل على طرح الشيء، وغالب ذلك أن يكون من الفم، تقول: لفظ بالكلام يلفظُ لفظًا، ولفظتُ الشيء من فمي...، وهو شيء ملفوظ ولفيظ (  ([4]

    أما المعنى لغة: فهو ما يقصد بشيء، ولا يطلقون المعنى على شيء إلا إذا كان مقصودا، وأما إذا فهم الشيء على سبيل التبعية فيسمى معنى بالعرض لا بالذات ( [5]). ومعنى كل كلام، ومعناته ومعنيته، مقصده [6]

    فقضية اللفظ والمعنى في البلاغة والنَّقد العربي القديم أكثر شيوعًا  وتداولا  في الساحة النقدية  أو في البيئة العربية، سواء من طَرَف النقادِ أو البلاغيين، أو حتى من طرف علماء الكلام مِن الفِرق الكلامية.

    فتأليفٌ الألفاظ يمنحُ الكلام قوةً وتأثيراً وحسناً، لأن انتقاء اللفظ اللائق يكسب المعنى بهاءً وجمالا، والذي يكون أبلغ في تأدية المعنى المراد من غيره، بحيث لا تكون الألفاظ مبتذلة، تنفر منها الأسماع والأذواق، فالتعبير الحسن يتطلب اختيار الألفاظ الجزلة في مقامها والرقيقة في مقامها،

    -أهداف تدريس البلاغة :

    1-          هدفٌ دينيٌّ : يتمثل في تذوق بلاغةِ القرآن الكريم والوقوف على أسرارِ ها، وتذوقِ بلاغة الرسول      واقتفاءِ أثره فيها، والوقوف على أسرار الإعجاز في القرآن الكريم وتلمّس جماله.

    2-          هدفٌ نقديٌّ أو بلاغيٌّ : يتمثلُ في  تمييز الكلام الجيد من الرديء ، إضافة إلى  تنمية الذوق الأدبي وتمكي الطلبة  من الاستمتاع والتلذذ  بما  يقرؤون من عيون الشعر ، و سهوله النطق بالكلمة الفصيحة الصحيحة السليمة وسلامة التركيب .

    3-          هدفٌ أدبيٌّ :تدريب الطلبة على صناعة الأدب بتوظيف تمرينات كثيرة من أجل تنمية الحس والذوق الأدبيين لدى الطلبة عن طريق اختيار آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة ، وتأليف الجيد من الشعر والنثر  ، وتمكينهم  على تبيين العلاقة بين اللفظ  والمعنى ، مساواة ، وإيجازاً ، وإطناباً، كما أن البلاغة  تساعد الطلبة على معرفة ما يتعلق بالجمل الخبرية والإنشائية .

     

    -أقسامُ علمِ البلاغةِ :

    ترتبط البلاغة  عند ذكرها بعلومها الثلاثة المعروفة وهي: علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع ( [7]):

    1-علمُ المعاني : وهو علمٌ يعرَفُ به أحوال اللفظ العربيِّ  التي بها يطابقُ مقتضَى الحال ، فالعلم بالقواعد التي يعرف بها كيفية مطابقة الكلام لمقتضى الحال  ضروري، وللسياق هنا دور كبير في فهم الغرض الذي قيل فيه، درءا و احترازا من الوقوع في الخطأ ، وهذا عن طريق معرفة مواضع الحذف والإيجاز والتقديم والتأخير و...إلخ  ، وموضوع علم المعاني: اللفظ العربي، من  حيث  إفادتُه المعاني الثَّواني. التي هي الأغراض المقصودة للمتكلّم، من جعل الكلام مشتملا على تلك اللَّطائف والخصوصيّات، التي بها يُطابق  ُمقتضى الحال  ([8]) .

    أما فائدة علم المعاني: معرفة إعجاز القرآن الكريم، من جهة ما خصّه الله به من جودة السبَّك، و ُحسن الوصف، وبراعة التَّراكيب ولُطف الإيجاز وما اشتمل عليه من ُسهولة التركيب، وجزالة كلماته وعُذوبِة ألفاظه وسلامتها إلى غير ذلك من محاسنه التي اقعدت العرب عن مناهضته، وحار َت عقولُهم أمام فصاحته وبلاغته ([9]).

    2-علمُ البيان :

     وهو علمٌ يعرَف به تأدية المعنى بطرق مختلف وضوحها وينحصر في ثلاثة مباحث
    تشبيه أو مجاز أو كناية ، ولعل أهميته تكمن في  تبيان محاسن اللغة  وتعداد جماليات الأسلوب  التي بها يكسى النص حلة جميلة.

    فعلم البيان في هذا التعريف الذي حدّه (عرفه)علماء البيان يختلف عن علم المعاني من جميع جوانبه فهذا الأخير يبحث في بناء الجمل وتلاحم أجزائها تلاحما يطابق مقتضى حال الكلام كما يختلف عن علم البديع الذي يبحث في وجوه تحسين الكلام  وتجميله بعيدا عن التعقيد والإبهام، فالمراد بالعلم هو تلك القواعد والضوابط والقوانين التي يعرف بها إيــراد المعنى الواحد بطرق مختلفة كقواعد بناء أمثلة التشبيه  وضوابط توظيف الاستعارة والمجاز المرسل , وقوانين الكناية , كل هذا يشكل ملكة تبنى عليها جميع ما سبق ذكره.

    أما المقصود بالمعنى الواحد فهو المعنى الذي يعبر عنه المتكلم بكلام مطابق لمقتضى الحال  كمعنى  الشجاعة والكرم , فليس من البيان , التعبير عن المعنى المفرد بألفاظ مترادفة نحو : الأسد و الليث و الضرغام , لأنه معرفة ذلك يرجع إلى فقه اللغة.

    أما المقصود باختلاف الطرق التي يؤدي بها المعنى الواحد في وضوح الدلالة عليه, أن تتعدد الطرف في التعبير فيكون بعضها واضحا وبعضها أشد وضوحا وأدق استعمالا .

    3-علمُ البديع :

     قال ابن منظور " : والبديع) والبِدْع: الشيء الذي يكون أولًا. والبديع: المحدَث العجيب، والمبدَع. والبديع: من أسماء الله تعالى لإبداعه الأشياء وإحداثه إياها وهو البديع الأول قبل كل شيء، ويجوز أن يكون بمعنى مبدِع  أو مِنْ بدع الخلق أي بدأه، والله تعالى كما قال سبحانه في محكم كتابه: ﴿ بَدِيْعُ السَّمَوَاتِ والْأرْضِ [البقرة: 17]؛ أي: خالقها ومبدِعها فهو سبحانه الخالق المخترِع لا عن مثال سابق ([10]).

    ورد في المعجم الوسيط: "أن (البديع)هو اسم الفاعل والمفعول مِنْ بدعه، بدعًا: أنشأه على غير مثال سابق، والبديع جمعه بدائع، مما بلغ الغاية في بابه، والبديع: علم يعرف به وجوه تحسين الكلام" ([11]).

    أطلق مصطلح البديع في مراحله الأولى على كل جديد وغريب ومبتكر، فالبديع في  التراث النقدي والبلاغي،  قد اختلف في تعريفه من لغوي إلى ناقد، إذ  ذكر البديع  في كتبهم باختلاف توجهاتهم وبحوثهم، بوصفها مصطلحًا بلاغيًا. وفي هذا يجب التمييز بين مرحلتين في استخدام مصطلح البديع، وهما ([12]):

    المرحلة الأولى:  ما قبل القرن السابع الهجري، مرحلة النشأة والتطور.

    وقد ظهرت جهود العلماء في التأليف  عند:

    -ابن المعتز: صاحب كتاب (البديع ت 192 هجري(

    - قدامة بن جعفر: صاحب كتاب (نقد الشعر ت 333 هجري(

    -  أبو هلال العسكري: صاحب كتاب (الصناعتين ت 393 هجري )

    -علي بن عيسى أبو الحسن الرماني: في رسالته المعروفة (النكت في إعجاز القرآن ت382 هجري(

    -محمد بن الطيب أبو بكر الباقلاني: صاحب كتاب (إعجاز القرآن ت 303 هجري)

    -ابن رشيق القيرواني: في كتابه ( العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده ت 332 هجري(

     

    المرحلة الثانية : القرن السابع الهجري وما تلاه، مرحلة الضبط والتصنيف، ويمثلها  السكاكي : في كتابه (مفتاح العلوم ت 212 هجري(.

    فالبـديع علمٌ "يعرَف به وجوه تحسين الكلام، بعد رعايةِ تطبيقه على مقتضَى الحـال  ووضـوحِ الدلالة" ([13])، وقد سمي البديع بديعا لأن الشعراء ابتدعوا صورا مزخرفة منمقة للتعبير عن أحاسيسهم وعواطفهم.

     

     

     



    [1] - ينظر: العسكري ، أبو أحمد الحسن بن عبد الله، المصون في الأدب، تح : عبد السلام هارون ،مطبعة  حكومة  الكويت 1984 ، ط2 ،ولقدامة في نقد الشعر رد أدبي ماتع على تعليل النابغة. فحواه أن رد النابغة مبني على ترك حسان الغلو؛ لأن أعذب الشعر أكذبه، وأما كلمات حسان فهي خير تطبيق للواقعية دون غلو. ينظر: نقد الشعر ص 18طبعة إسطنبول

    1 - أسواق في الجاهلية كانت تقام بها مناظرات بين الشعراء.

    [2] - علي زايد، البلاغة العربية: تاريخها. مصادرها. مناهجها، القاهرة – مصر،1982، مكتبة الشباب ، صفحة 9- 11. بتصرّف يسير.

    [3] - الشريف الجرجاني، كتاب التعريفات، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان ط1 1983.

    [4] - ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبدالسلام هارون، دار الفكر 1979، ج5،ص259.

    [5] - الكليات الكفوي ( أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني، ت.1094هـ) تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة بيروت، الطبعة الأولى، 1992م. ص: 842.

    [6] - لسان العرب ابن منظور (جمال الدين محمد بن مكرم.)، دار صادر بيروت،1955م. مادة (عنا): 15/106

    [7] - عبد العزيز  عتيق، علم البيان، بيروت، دار النهضة العربية، 1958  ،ص:7

    [8] - أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع ،بيروت، المكتبة العصرية، ص :47

    [9] - أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة ، ص :47

    [10] - بن منظور ، لسان العرب - دار صادر - بيروت 2008م، (8/6(

    [11] - مجمع اللغة العربية - المعجم الوسيط - دار الشروق – ط 4 ، 2004، ص :44.

    [12] - الدكتور جميل عبد الحميد - البديع بين البلاغة العربية واللسانيات النصية - الهيئة المصرية العامة للكتاب 1998م، ص: 13 .

    [13] - الخطيب جلال الدين القزويني - الإيضاح في علوم البلاغة - تحقيق: إبراهيم شمس الدين - دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الأولى 2002م، ص255.