نماذج من ديانات الشرق الأقصى القديم
Section outline
-
أولا-الديانة الهندوسية
مقدمة: لم تختلف الديانة الهندية عن غيرها من الديانات القديمة، إذ اتجه التفكير الديني فيها إلى نزعة تعدد الآلهة، وقد بلغ التعدد عند الهنود مبلغا كبيرا، فقد انتشرت فيها عبادة مختلف المظاهر الطبيعية كالكواكب والجبال كما قدسوا الحيوانات والجماد، لكن الآلهة الأقوى لديهم كانت قوى الطبيعة نفسها كالسماء والشمس والأرض والريح والماء، ولكي تستقر هذه الآلهة في نفوسهم أطلقوا عليها أسماء تخلدها وتربطها بها، وكانوا يدعون تلك الآلهة لتبارك لهم في ذريتهم وأموالهم من المواشي والغلات والثمار وتنصرهم على أعدائهم. إذ يقول غوستاف لوبون: «وهيهات أن تجد هندوسيا لا يعبد عددا من الآلهة، فالعالم عنده زاخر بها حتى أنه يصلي للنمر الذي يفترس أنعامه، ولجسر الخط الحديدي الذي يصنعه الأوربي، وللأوربي نفسه عند الاقتضاء»
1-تعريف الديانة الهندوسية
تعد الهندوسية من أقدم الديانات والتي ماتزال قائمة، ويعود تاريخها إلى ما يزيد على ألفي سنة قبل الميلاد، كانت تسمى قديما "دراما" (Dhama) وهو الاسم الأصلي للهندوسية، وتسمى كذلك "سانتانا"(Sentana) ثم أطلق عليها حديثا اسم الهندوسية لتشمل الدين والحضارة، العادات والتقاليد التي نشأت على ضفاف نهر الهندوس.
والهندوسية دين متطور عن مجموعة من التقاليد والأوضاع تولدت من تنظيم الآريين لحياتهم جيلا بعد جيل بعدما وفدوا إلى الهند وتغلبوا على سكان الهند الأصليين، واستأثروا دونهم بتنظيم المجتمع، وقد تولد من استعلاء الآريين الفاتحين على سكان الهند، ومن احتكاكهم بهم تلك التقاليد الهندوسية التي اعتبرت على مر التاريخ دينا يدين به الهندوس ويلتزمون بآدابه.
2- الكتب المقدسة عند الهندوس
تسمى الكتب المقدسة في الهند باسم "الفيدا" (Vedas)، ومعناها المعرفة والعلم، وهي تحتوي أوراد تعبدية وأناشيد دينية وتعاويذ سحرية، ويعود تاريخها إلى أكثر من 1500 سنة قبل الميلاد. وهي عبارة عن أربعة كتب دينية هي:
2-1 الريج فيدا(Ridg veda): أو راجا فيدا، هو أشهر الكتب الأربعة، ويقال أن تأليفه يرجع إلى 3000 قبل الميلاد، وتشمل 1017 أنشودة دينية، وضعت للتضرع بها أمام الآلهة أو يتغنون بها عن آلهة.
2-2 يجور فيدا(Yagoor veda): تشمل العبادات النثرية التي يتلوها الرهبان عند تقديم القرابين.
2-3 ساما فيدا(Sim veda): تشمل الأغاني التي ينشدها المنشدون أثناء إقامة الصلاة وتلاوة الأدعية.
2-4 أثرو فيدا(Athro veda): تشمل مقالات في السحر والرقية.
3- العقائد الهندوسية
لعل من أهم العقائد في الديانة الهندوسية أربعة هي:
3-1 الكارما: هو قانون الجزاء، أي أن نظام الكون الإلهي قائم على العدل المحض، هذا العدل الذي سيقع دون أي شك، إما في الحياة الدنيا، أو في الحياة الآخرة، وجزاء حياةٍ يكون في حياة أخرى، والأرض هي دار الابتلاء، كما أنها دار الجزاء والثواب.
3-2 تناسخ الأرواح: يطلق بعض الباحثين على هذه العقيدة تعبيرا اصطلاحيا آخر وهو تجوال الروح، أي إذا مات الإنسان يفنى منه الجسد، وتنطلق منه الروح متجولة لتتقمص وتحل في جسد آخر بحسب ما قدم من عمل في حياته الأولى.
3-3 الانطلاق: هو أن صالح الأعمال وفاسدها ينتج عنه حياة جديدة متكررة لتثاب فيها الروح أو لتعاقب على حسب ما قدمت في الدورة السابقة، من لم يرغب في شيء ولن يرغب في شيء تحرر من رق الأهواء، واطمأنت نفسه، فإنه لا يعاد إلى حواسه، بل تنطلق روحه لتتحد ب"براهما".
3-4 وحدة الوجود: تعني أن الحياة خلقت من الروح، فالإنسان ليس جسمه وحواسه لأنها تموت وتبلى، بل الإنسان هو الروح وهي أزلية أبدية مستمرة غير مخلوقة. فالتجريد الفلسفي وصل بالهندوس إلى أن الإنسان يستطيع خلق الأفكار والأنظمة والمؤسسات، كما يستطيع المحافظة عليها أو تدميرها، وبهذا يتحد الإنسان مع الآلهة، وتصير النفس هي عين القوة الخالقة .
4-الآلهة الهندوسية
آمن الهندوس بعدد ضخم من الآلهة السماوية والأرضيةومن أشهرها الثالثوث الهندوسي التالي:
أولا: برهما: (Brahma) هو إله الشمس وهو خالق كل شيء، وقد ظل هذا الإله يعلو ويعلو حتى أصبح الإله الأكبر.
ثانيا: شيفا:(Siva) رب القسوة والفناء والدمار ، وقد انتشرت تماثيله ذات الأيدي الأربع في حالة الرقص، ويدل رقص شيفا على دوره الهام في الدمار والفناء. وهو لا يظهر عادة إلا في ميادين القتال والمعارك الضخمة والمنازعات الطاحنة، أما تماثيله المنحوتة من الصخر فتصوره يضع فوق رأسه عددا من الجماجم، وتحيط به أرواح البشر.
ثالثا: فشنو:(Vishnu) هو الحافظ، له عشرة تجليات على طوال التاريخ عبارة عن السمك، السلحفاة، الخنزير الوحشي. موجود على هيئة نصف إنسان، ونصف أسد، القزم، راما(Rama) وبيده طبل كريشنا(Krishna)، بوذا(Buddha)، وكلكي (Kalki) وهذا الأخير هو الموعود به في آخر الزمان لإصلاح العالم، يظهر على فرس أبيض شاهرا سيفه.
بالاضافة إلى آلهة أخرى مثل"أغني"(Agni) إله النار، "ايشفارا" (Isavara) إله القوة والقدرة، "رودرا" (Rudra) إله الخوف والفزع، "راما" (Rama) إله العواطف، "كريشنا" (Krishna) إله الماء الصافي، "ياما" (Yama) إله الموتى وحاكمهم.
5- عبادة البقرة: تعتبر البقرة من أكثر الحيوانات قدسية لدى الهندوس، ويقيمون لها التماثيل في كل مكان، هذا كله لاعتقادهم أنها مصدر قوة ضخمة ترمز جيداً إلى القوة الكبرى التي تسيطر على هذا العالم الكبير. والإيمان بأن البقرة ممثل الآلهة، حيث حظيت عند الهندوس بأسمى مكانة، وهي من المعبودات التي لم تضعف قداستها مع مر السنين، فهي رمز الإيثار. وقد حرم أكل لحمها وذبحها، واعتبروا فضلاتها مرهما، مطهرا لكل قذارة، وإن ماتت يجب أن تدفن بكل عناية وتقديس، ومن تراتيلهم لها:« أيتها البقرة المقدسة لك كل التمجيد والدعاء في كل مظهر تظهرين فيه، أكنت أنثى، أو عجلا صغيرا، أو ثورا».
6- الطبقات في المجتمع الهندوسي
منذ أن وصل الآريون إلى الهند شكلوا طبقات لا تزال قائمة حتى الآن، وهم أربعة طبقات ولا طريق لإزالتها لأنها تقسيمات أبدية من خلق الإله -كما يعتقدون- وردت الطبقات في قوانين "منو" على النحو التالي:
6-1 البراھمة: هم أفضل الناس وأعظمهم قدسية، خلقهم الإله من فمه، منهم الكهنة والقضاة والمعلمين، وهم ملجأ الجميع في حالات الزواج والوفاة، ولا يجوز تقديم القرابين إلا في حضرتهم.
6-2 الكاشتر: هم الذين خلقهم الإله من ذراعه، يتعلمون ويقدمون القرابين ويحملون السلاح للدفاع. منهم الملوك والمحاربون.
6-3 الویش: هم الذين خلقهم الإله من فخذه، يزرعون ويتاجرون ويجمعون المال، وينفقون على المعاهد الدينية.
6-4 الشودر: هم الذين خلقهم الإله من رجله، هم من الزنوج الأصليين ويشكلون طبقة المنبوذين، عملهم مقصور على خدمة الطوائف الثلاث السابقة الشريفة، ويمتهنون المهن الحقيرة والقذرة.
7- شعائر وعبادات الهندوس
7-1 الطهارة: عند الهندو نوعان من الطهارة: طهارة حسية وطهارة معنوية
7-2 الصلاة: والصلاة لديهم تشارك طقوس تقديم القرابين والنذور لآلهتهم، وهيئتها وقوفا أو جلوسا، أو يرتلون الأدعية الدينية.
7-3 الصوم: يعد الصيام عندهم تطهر لكل شيء، ففرضوا صياما تقشفيا كالصمت والامتناع عن الأكل والشرب، وصيامهم نفلا وليس فرضا، وصيام الكهنة يختلف عن صيام الشعب إذ تميز بكثرة أيامه وقسوته .
7-4 اليوجا: هي من الشعائر التعبدية المهمة لدى الهندوس، وهي طريقة رياضية روحية وجسدية يتبعونها لتسهيل اتحادهم بالإله وفق زعمهم.
7-5 الحج : يكون الحج عند الهندوس بالذهاب إلى نهر الغانج سنوياً، والاغتسال فيه للتطهر من آثامهم، وكذلك يلقون فيها رماد موتاهم.
8- طقوس الموت عند الهندوس
عند وفاة الشخص يتم الاعتناء بالميت عناية خاصة، حيث يرى الهندوس أنه ما لم تستقر أرواح الموتى في عالم الآباء. تظل عرضة لأن تصب البلاء على رؤوس نسلها الذين لم يقوموا بإحكامها عن طريق القرابين؛ لضمان انتقالها إلى عالمها المناسب. حيث يتم حمل جثة الميت بعد وفاة الميت بقليل في موكب من الأقارب لتحرق الجثة، حيث يطوف أهل الميت حول المحرقة في اتجاه عكس عقارب الساعة ثم يعودون إلى المنزل، وفي اليوم الثالث من حرق الجثة، يأخذ الرماد بعد الحرق إلى النهر المقدس ليُلقى في النهر، وهذا جزء مهّم من الطقوس الهندوسية، ثم تقرأ مقاطع من الفيدا المقدسة مع ترانيم روحية، ثم تلقى باقات من الزهور مع الشموع التي توضع قرب النهر المقدس، ولمدة عشر أيام متصلة يقومون بتقديم القرابين للميت.
خاتمة: مما سبق نفهم أن الديانة الهندوسية تقوم على فكرة تقديم الخير للنفس والمجتمع، وأن عقيدتها شملت التدين والحضارة والعادات والتقاليد والسلوكيات الخاصة بشعب الهندوس، وهي تحوي عدد كبيرا من الآلهة في صورة حيوانات وحشرات وآدميين، كما أنها عرفت عقيدة تقدس البقر والأفيال والأفاعي والتماسيح والنمور وغيرها.
ثانيا- الديانة البوذية
1- تعريف البوذية
كانت البوذية في الأصل حركة رُهبانية نشأت داخل التقاليد البراهمانية، تحولت عن مسارها عندما قام بوذا بإنكار المبادئ الأساسية في الفلسفة الهندوسية، بالإضافة إلى رفضه وِصاية السُلطة الكَهنوتية، كما لم يرد أن يعترف بأهلِية كتابات الفيدا، وكذا مظاهر وطقوس عبادة الآلِهات التي كانت تقوم عليها. كانت التعاليم الجديدة التي بشر بها موجهة للرجال والنساء وإلى كل الطبقات الاجتماعية بدون استثناء. كان بوذا يرفض المبدأ القائل بأن القيمة الروحية للإنسان تتَحدَد عند ولادته (نظام الطبقات الاجتماعية الهندوسي).
وبعد موت مؤسسها تحولت إلى معتقدات يغلب عليها طابع الوثنية، ولقد غالى أتباعها في توقير مؤسسها حتى ألهوه، لذلك يميل البعض إلى أن البوذية تعتبر نظاما أخلاقيا، ومذهبا فكريا مبنيا على نظريات فلسفية، وتعاليمها ليست وحيا، وإنما هي آراء وعقائد في إطار ديني وتختلف البوذية القديمة عن البوذية الجديد في أن الأولى صبغتها أخلاقية، في حين أن البوذية الجديد هي تعاليم بوذا مختلطة بآراء فلسفية وقياسات عقلية عن الكون الحياة.
2- أسباب ظهور البوذية
كان سبب انتشار البوذية في الهند أولا يعود إلى أن تسلط طبقة البراهمة أدى إلى نفور الطبقات الأخرى منها، وخاصة الطبقات الحاكمة الكشتارية لذلك حاولت الإفلات من سيطرتها، ولعل السبب الثاني يكمن في العقيدة الهندوسية، إذ أن وجود آلهة كثيرة تسيطر على الكون، وتفرض نوعا من الوصاية على البشرية، وتقسيمها للمجتمع إلى طبقات تتحكم واحدة في الأخرى، وتفرض أنواعا من التعبدات والالتزامات الدينية قد أتعبت الناس، فالبوذية جاءت كرد فعل على الديانة الهندوسية.
3- تعريف بوذا
اسمه الحقيقي "سيدهارتا جواتاما" (Siddharta) ولد في الهند حوالي 560 -480 ق م لقب ببوذا والتي تعني العالم، نشأ بوذا في بلدة في حدود النيبال، كان أميرا وشب مترفا في النعيم تزوج في سن مبكرة من عمره، كان يتطلع طيلة حياته إلى الفلسفة والعلم فكان أكثر ما يحيره هو بعض الغوامض التي يصعب تفسيرها كالمرض الشيخوخة والموت، فدأب على دراسة فلسفة الهندوس البرهمية، إلا أنه لم يجد الأجوبة الشافية لتساؤلاته، ولما بلغ 26 هجر أسرته وبلدته ليبحث عن الحقيقة مهما كلفه الأمر فانصرف إلى حياة الزهد والتقشف والخشونة في المعيشة والتأمل في الكون وترويض النفس، وعزم على أن يعمل لتخليص الإنسان من آلامه، فكان يتجول في الغابات والبراري ويذهب إلى الكهوف يتأمل الكون، وبعد تأمل وتفكير عميق خرج بفلسفة تقول: "من الخير يجب أن يأتي الخير ومن الشر يجب أن يأتي الشر".
4- تعاليم بوذا:
تتلخص تعاليم بوذا في أربع حقائق هي:
أ- الحقيقة الأولى: وجود الحزن حيث يقول بوذا في تعاليمه: الولادة حزن والكهولة حزن والمرض حزن والموت حزن وعدم الوصول إلى الأحباب حزن.
ب- الحقيقة الثانية: من أسباب الحزن هي الأمنية الكاذبة والشهوات المهلكة.
ج- الحقيقة الثالثة: يتم القضاء على الأحزان بإماتة الشهوات والرغبات واجتناب الحاجات الزائدة واختيار العزلة التامة. وهي حالة مثالية يصل فيها الفرد إلى حالة الزهد.
د- الحقيقة الرابعة: هي الأعمال التي تساعد على القضاء على الآلام والأحزان وهي الاعتقاد الصحيح، النظرة الصحيحة، الفهم الصحيح، التأمل الصحيح، القول السديد، الفعل الحسن والكسب الصحيح.
5-العقيدة البوذية
الواقع أن بوذا لم يهدف لإنشاء دين جديد يقوم على عقائد دينية جديدة، وانما كانت همومه كلها تتجه إلى فكرة أساسية هي أن الأخلاق أقرب منها إلى الدين، فالبوذية مذهب أخلاقي بالدرجة الأولى، وليس نحلة دينية مستقلة، إذ يقول الأستاذ رادها كرشن الذي كان نائبا لرئيس جمهورية الهند: «إن بوذا لا يقرر العقائد، ولا يؤسس مذاهب فلسفية، ولا يزعم أنه جاء إلى الأرض بحكمة خصوصية ملكها من الأزل، بل يعلن بكل جلاء أنه كسب هذه الحكمة بجهود جبارة فيما سبق له من الحياة على هذه الأرض دهورا وأحقابا بتعدد المواليد، وهو يرشد أتباعه إلى نظام يضمن الرقي الأخلاقي ولا يدعوهم إلى دين كسائر الأديان، إنه يرى أتباعه سبيلا ولا يقرر عقيدة، لأنه يرى أن قبول عقيدة يصد عن البحث وراء الحق فكثيرا ما ترفض الحقائق لأنها تخالف عقيدة تمسك بها الذين جاءت لهم هذه الحقائق»
فبوذا يؤسس دعوته على حصوله على المعرفة أو بعبارة أخرى على تجربته الروحية، التي لا يمكن بيانها بالألفاظ، فدعوته حكاية عن تجربته وعن الطريق المؤدي إليها، وهو يقول إن الحق لا يعرف بالنظريات بل بالسير في طريقه.
6- وصايا بوذا في الحياة
لا تقتل نفسا، لا تزن، لا تشرب خمرا أو تتناول مسكرا، لا تكذب، لا تسرق ولا تغتصب، لا تأكل في الليل طعام غير ناضج. لا تقتن أثاثا فاخرا، لا ترقص ولا تحضر مرقصا في حفل غناء، لا تستعمل العطور، لا تقتنى ذهبا ولا فضة. ويقال أن بوذا قد أوصى الرهبان بتلك الوصايا فيما يعرف بوصايا بوذا العشر
7- الكتب المقدسة عند البوذيين
كان لدى البوذيين كتب مقدسة يعتمدون عليها في تعاليمهم الدينية، إلا أنهم لا يدَّعون أنها منزلة من الله، بل يقولون أنها مجموعة تعاليم بوذا، التي جمعت في ثلاث مجموعات من الكتب وتسمى "السلال الثلاث"، تعرف الأولى بسلة النظام أو الطريقة، والثانية تعرف باسم سلة العظات وتضم تعاليم بوذا الأصلية متسلسلة وفق نظام خاص، أما الثالثة فتعرف باسم سلة العقائد وهي المسائل الفلسفية التي يتداولها البوذيون، وتتمثل في القواعد والنظم التي يستند عليها الرهبان في حياتهم.
8- الديانة البوذية بعد وفاة بوذا
إن البوذية لم تكن في الواقع ديانة خالصة، وإنما هي فلسفة اجتماعية غايتها تخفيف الآلام عن الناس وإسعادهم، وإلغاء الطبقات وتحقيق المساواة بين البشر، وليس في الديانة البوذية شيء عن الله أو عن تقديم القرابين، وبعد موته حرص أتباع البوذية على إضفاء هالة من القداسة على سيرته، منذ أن حملت به أمه إلى غاية وضعه، بل صبغوا بذلك كل تفاصيل حياته ومماته.ونسوا فلسفته وراحوا يقدسون بوذا نفسه، وأخذت كتبهم المقدسة تتحدث عن الإله بوذا، وتصف كيف تقدم القرابين، وبعد أن كان بوذا ينهى عن عبادة الأصنام أقام له أتباعه التماثيل في كل معبد وجعلوا منه إلاها يعبد، وهكذا صارت البوذية دينا وأصبح لها كهنة وأخذوا يفسرون تعاليمه.
خلاصة: من خلال ما سبق خلصنا إلى أن بوذا دعا إلى التقشف ونبذ الترف والزهد في الحياة، وحاربت البوذية مفهوم الطبقية، ونادت بإلغاء الطبقات والدعوة إلى المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات ولا فرق بين إنسان وآخر، كما أن بوذا كان يحارب العقائد الدينية ولا سيما ما يتصل بالإله إذ يقول أحمد عبد الغفور عطار« ففلسفة بوذا وأقواله وتعاليمه لاهوتا بدون إله، بل عقائد بغير دين، وخَلقا بدون خالق، ودينا بدون ديان»، ولكن البوذية تطورت بعد وفاة بوذا فدخلتها مسائل الألوهية وأصبح بوذا نفسه معبودا كآلهة الهندوس وأخذت البوذية تبتعد عن مذهب بوذا كلما بعد بها الزمن أو الوطن.