الخطوط العريضة للقسم

  • مقدمة: لقد سعى الإنسان منذ أن وجد نفسه في هذا الكون إلى تحقيق ذاته وإسعادها، وتيسير كل سبل العيش السعيد، لذلك كان أمام عجزه يهرب إلى الخيال متصورا  أشياء تساعده على تجاوز كل المحن والعقبات، وكان هذا ديدن الإنسان ولازال، ولأن الغاية تبرر الوسيلة فإن بحث الإنسان لا ينقطع ولا ينتهي، إلا بانتهاء هذا الكون ورجوعه إلى خالقه، فلا أحد ينكر ما قدمته الأسطورة للأدب ولمختلف العلوم والآداب ـ فقد ساعدت الأسطورة الإنسان على الإبداع، كما ساعدته كذلك على الاختراع والابتكار.

    نالت الأسطورة اهتماما كبيرا من قبل الباحثين وقاموا بدراستها دراسة جادة وواعية بغية الوقوف عند المفاصل الأساسية لبنائها الداخلي، وفي القرن التاسع عشر ظهر علم جديد عني بدراسة الأساطير وتفسيرها عرف بالميثولوجيا (Mythology).

    1-1 لغة: الأسطورة في اللغة العربية هي الأحاديث المنمقة أو المزخرفة التي لا نظام لها، فهي مشتقة من سطر من الشيء بمعنى الصف من الكتاب والشجر والنحل ونحوها، وسَطر: إذا كتب كما ورد في قوله تعالى: ﴿نُ والقَلمِ ومَا يَسْطرُونَسورة القلم، الآية 01. وسطرها بمعنى ألفتها، وسطر علينا أي أتانا بالأساطير.

    وقد وردت في القرآن الكريم استعمالات للمصطلح بمعنى ما ليس له من أصل من الأحاديث في قوله تعالى: ﴿ إذَا تُتلَى عَلَيهمْ آَياتُنَا قَالُوا سَمعْنَا لَو نَشَاءُ لقُلنا مثلَ هذَا إنَّ هَذَا إلاَّ أَسَاطيرُ الأَولِينَسورة الأنفال، الآية 31. وفي قوله تعالى:﴿ قَالُوا أَساطِيرُ الأَولينَ أَكْتتبُهَا فَهِي تُملَى عَليهِ بُكرةً وأَصِيلاًسورة الفرقان، الآية 5..

    1-2 اصطلاحا: هي نظام فكري متكامل، استوعب قلق الإنسان الوجودي وتوقه الأبدي لكشف الغوامض التي يطرحها محيطه، والأحاجي التي يتحداه بها التنظيم الكوني المحكم الذي يتحرك ضمنه. وهي التفكير في القوى البيئية الفاعلة الغائبة وراء هذا المظهر المتبدي للعالم، وكيفية عملها وتأثيرها وترابطها مع العالم والحياة، وأنها أسلوب في المعرفة والكشف عن الحقائق، ووضع نظام معقول للوجود يقنع به الإنسان  ويجد مكانه الحقيقي ضمنه، وإنها الإطار الأسبق والأداة الأقدم لتفكير الإنسان المبدع الخلاق.

    وعلم دراسة الأسطورة يدعى (Mythology)، ويتكون هذا المصطلح من مقطعين: الأول هو "ميت" (myth) المشتق من الجذر اليوناني(muthas) ويعنى قصة أو حكاية، أو من الجذر(mythos ) ويعنى قصة غير واقعية، والثاني هو(logy) ويعني العلم أو الدراسة العلمية، وهو مشتق من الجذر(logos) الذي كان يشير في الفلسفة إلى المبدأ العقلي. وبذلك تكون المثيولوجيا هي الدراسة العلمية للأساطير وفحصها وفق القواعد العلمية المتبعة، وقد كان أفلاطون أول من استعمل تعبير(muthologia) للدلالة على فن رواية القصص، وبشكل خاص ذلك النوع الذي ندعوه اليوم بالأساطير.

    وتعرف الأساطير على أنها حكايات مقدسة يؤمن أهل الثقافة التي أنتجتها بصحة وصدق أحداثها، وتعد تراث الإنسان في كل مكان وزمان، ومنبع الإلهام الأدبي، وكانت دواعي ظهور الأسطورة في التراث الإنساني هو محاولة فهم المجهولات الكثيرة التي تحيط به، ولوضع قاعدة معرفية يفسر من خلالها وجوده، فمثلا يحاول أن يفسر خلق الكون والإنسان فيقول مرة  أن الكون جاء من بيضة كونية أو أنه ولد من جوف نعامة بعد أن قتلها الإله مردوخ، أما الإنسان فقد ولد من دموع الآلهة، والأمراض وجدت نتيجة تلاعب الأرواح الشريرة بالبشر أو لعقاب البشر على أعملهم السيئة.

    2-آراء حول الأسطورة

    حظي مفهوم الأسطورة باهتمام العلماء الباحثين على اختلاف مشاربهم وتخصصاتهم من علماء علم الاجتماع، نفسانيين، أنثروبولوجيين وفلاسفة، فتعددت آراؤهم حول الأسطورة  باختلاف مشارب أصحابها.

    2-1 آراء الغربيين:

    يرى كارل غوستان يونغ (Gustav Jung) أن الأسطورة تنير جوانب النفس الإنسانية، وأن المجتمع الذي يفقد أساطيره بدائيا كان أم متحضرا يعانى كارثة أخلاقية تعادل فقدان الإنسان لروحه.

    أما الفيلسوف الألماني "أرنست كاسيرر" (Ernest Cassirer) فيؤكد أن الأسطورة تمثل قوة أساسية في تطور الحضارة الإنسانية، عبر الإنسان من خلال رموزها عن اهتماماته وتطلعاته، وقد وجد أنها تكون مع اللغة والفن والدين صورا حضارية تبدعها طاقة الإنسان الرمزية. بينما يرى مالينوفسكي(Malinovsky ) أن الأسطورة في حقيقتها ليست تعبيرا تافها ولا تدفقا عشوائيا لخيالات عقيمة، ولكنها قوى ثقافية هامة تشكلت بصورة محكمة .

    يرى هوستن سميث (Huston Smith) الأسطورة على أنها مزيج من كل شيء، فهي حكاية خالصة مستوفاة من حوادث التاريخ، وهي قصة سردية حول تاريخ الآلهة والأبطال، وأجداد وهي سيرة حيوانات.

     2-2 آراء العرب:

           يذكر سليمان مظهر أن الأسطورة تمثل عقائد أصحابها، ومثلهم وعاداتهم وتتضح من خلالها نظرتهم وفلسفتهم في الحياة، وبالتالي ما من أمة هان أو علا شأنها إلا ولها أساطير بكل أنواعها. ويعرفها في مؤلف أخر له على أن الأسطورة قصة تحكمها مبادئ السرد القصصي من حبكة وعقدة وشخصيات، محافظة على ثباتها مند فترة طويلة تتناقلها الأجيال، زيادة على الطابع الجماعي الذي تتمتع به أو ما يعرف بالخيال المشترك للجماعة، كما تلعب الآلهة وأنصاف الآلهة الأدوار الرئيسية فيها، بحيث تجري أحداثها في زمن مقدس غير الزمن الحالي، تتمتع فيه بسلطة وقدسية على عقول الناس ونفوسهم.

          أما فراس السواح الذي خص مفهوم الأسطورة بالدراسة والبحث  فيرى أن الأسطورة على أنها حكاية مقدسة، ذات مضمون عميق يشف عن معاني ذات صلة بالكون.

          بينما يرى خليل تادرس أن الأسطورة هي الأحداث الواقعية الخارقة التي لا يصدقها العقل، ولكنها حقيقة واقعية قد حدثت بالفعل، وإنها تحلق بك لتأخذك على أجنحة الخيال، كما تثير دهشتك وتنقلك إلى أجواء مدهشة رائعة.

    فملاحظ أن الأسطورة مثلت الوعاء الفكري الذي استوعب قلق وشوق الانسان حول ما يحيط به، فانتج لنا فكرا راقيا هو مزيج بين الخيال والواقع عبر فيه ما يختلج صدره من خوف وقلق وتساؤلات.

    3- الفرق بين الأسطورة والخرافة والحكاية الشعبية

           قد يظن ضان أن الأسطورة  ترتبط بالخرافة واعتبارها شيئا واحد، لكن الحقيقة أن الأسطورة تختلف تماما عن الخرافة، فلئن كانت الخرافة نتاجا للخيال الصرف الذي لا يستند على أية مرجعية واقعية، فإن الأسطورة تفتقد مصداقيتها ومجالها إذا هي لم تسند في الأصل على ذلك الواقع الموجود بالفعل، ثم بعد ذلك تلجأ إلى الخيال العميق في صياغتها لذلك الواقع. وقد عالجت الأسطورة مواضيع جادة كالخليفة ونشأة الكون والخلود وغيرها. كما أن أبطال الأسطورة هم من الآلهة وأنصاف الآلهة والأبطال المؤلهين، أما الخرافة فتكون على لسان الحيوانات أو شخصيات خرافية.

          أما الحكاية الشعبية فهي تخلو من أي دور مركزي للآلهة، فهي حكاية عادية لا تحمل طابع مقدسا أو دينيا، بل هي حكاية دنيوية بسيطة تعتني بالأمور اليومية، وتخلو من الموضوعات المصيرية الكبرى التي تعتني بها الأسطورة، إن السمة المميزة للأسطورة تكمن في جديتها، وإن كلمة أسطورة تنطوي على التمجيد في حين أن الحكاية الشعبية شيء أقل شأنا.

    4- أنواع الأساطير

     ليست كلّ الأساطير تشير إلى موضوع واحد، أو تقصد هدفا واحدا، وعلى الرغم من اختلاف موطن الأساطير وأزمنتها إلا أنّه يمكن تصنيفها حسب موضوعها وغرضها ووظيفتها الأساسية بغض النظر عن مصدرها، ويتم تصنيفها كالتالي:

    4-1 الأسطورة الطقوسية: تمثل الجانب الكلامي لطقوس الأفعال، وارتبطت بعمليات العبادة بمختلف أشكالها. والأساطير الطقوسية في حقيقتها هي مجموعة أحداث تاريخية ومناسبات أريد لها الحفظ والتذكير، فهي تعتبر كمدونات تاريخية يستخدمها علماء الأساطير بعد توضيحها وإعادة ضبطها.

     4-2 الأسطورة التعليلية: يحاول من خلالها الإنسان البدائي أن يعلل ظاهرة تستدعي نظره وتشغل تفكيره، لكنه لا يجد لها تفسيرا لذلك فهو ينسج حكاية أسطورية تشرح سر وجود هذه الظاهرة.

    4-3 أسطورة التكوين: هي التي تصور عملية الخلق. وتفسر هذه الأسطورة المسائل الأكثر ابهاما وغموضا، كما تحاول توضيح الحياة وما مرت به من مراحل.

    4-4 الأسطورة الرمزية: تتضمن رموزا تستدعي التفسير، وألفت في مرحلة فكرية أكثر نضجا من تلك التي ألفت فيها النماذج السابقة مثل الثعلب رمز الخداع، الكلب رمز الوفاء.

    4-5 أسطورة البطل الإله: هي التي يتميز فيها البطل بأنه مزيج من الإنسان والإله، بحيث يحاول التميز بصفات إلهية للرقي إلى مصاف الآلهة، إلا أن صفاته الإنسانية تشده دائما إلى الأرض. وهذا النوع من الأسطورة مكننا من التعرف على مفهوم البطولة عند الشعوب القديمة وطبيعتها وارتباطها بعالم الآلهة في السماء والقوى الربانية.

    5- دور الأسطورة في ظهور الديانات القديمة

          تعد الأسطورة أحد الأشكال الرمزية التي صورت في فترة من الفترات التاريخ الإنساني أفكار البشر وأحلامهم، قبل أن يتمكن الإنسان من التوصل إلى المعرفة بشكلها ومعناها الواضح والمباشر، والأساطير ليست مجرد قصص خرافية، ولكنها تحمل مضمونا فلسفيا يتوافق مع رؤى وأفكار وظروف المجتمع الذي نشأت فيه، وهي بهذا تعد مجالا خصبا يستثمره الباحثون في إدراك العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وكيف كانت المجتمعات القديمة تربط بين ظواهر الطبيعة المختلفة وبين شتى الأفكار والروايات، ويمكن أن نجد تعريفا محددا للأسطورة في أنها محاولة الإنسان البدائي لفهم وتطويع الطبيعة وتفسير الظواهر التي تتعلق بها.

          هذا التفسير يوضح لنا كيف نشأ السحر ونشأت معه الرموز أو الطواطم(عبادة الأوثان) التي استخدمها الإنسان لجلب الحظ، ثم تطورت لتصبح رمزا لكل قبيلة أو طائفة، ونشأت عنها أيضا العبادات والآلهة القديمة، وظهرت الأديان التي كانت تقوم حول الأساطير والآلهة الأسطورية المستمدة أساسا من قوى الطبيعة المخالفة، ومن أساطير أولية، ثم اكتملت فكرة الدين بعد ذلك حين اكتشفت المجتمعات البدائية فكرة الروح وانتقال الإنسان إلى العالم الآخر.

         ولعل أبرز ما يميز الفكر الأسطوري، هو ذلك الارتباط الوثيق بالدين، فقد كانت الأسطورة في أبسط أشكالها، وأشد مظاهرها فطرية، وتتضمن بعض الدوافع التي تعد بمثابة تباشير لمثل دينية عليا.

         خلاصة: فالأسطورة ظهرت نتيجة لخيال مر به الإدراك البشري، أما الدين ظهر نتيجة مرور الإدراك بحالة من الخضوع والتأمل الروحي الجاد. وللأسطورة أهداف عديدة إذ كانت الوعاء الذي استوعب شوق الإنسان ودهشته، فضلا على أنها كانت ردا على أسئلة الإنسان القديمة الذي حاول فهم الظواهر الكونية القديمة وأسرارها المحيطة بها، وتفسير الأمور الغامضة في حياته للوصول إلى عالم الحقائق الذي تحيطه الكثير من الخيالات، ولا يمكن أن نغفل أن الأسطورة ارتبطت بمصير الإنسان وتفسير الكون وأصول العقائد والأماكن المقدسة، والأفراد البارزين، وبالتالي ابتدعت الحكايات الدينية والقومية.