المحاضرة الثانية: ظهور الدين في الحضارات البدائية الأولى
الخطوط العريضة للقسم
-
تمهيد: عاش الإنسان أول أمره حياة بدائية محاطة بمئات الأخطار والأسرار، وحملته مدهشات الكون وأعاجيبه التي لم يستطع إدراكها إدراكا علميا لأن يتوهم لها تفسيرا، ويتخيل أصولا ووقائع يرتاح إليها تزيل حيرة نفسه، وكان أول ما ملأ رأسه تلك الخوارق التي تحيط به، فاعتقد بوجود قوى مسيطرة خالقة عاقلة ذات قدرة أسمى من قدرة العناصر والكائنات، وبدأ الإنسان يتأمل في تلك القوى، ويجسم كل شيء خارق منها يحسه ولا يستطيع التحكم فيه أو الوصول إليه، فيجعله إلها ويعمل على استرضائه بتقديم الأضاحي والقرابين وممارسة طقوس، فالنار والرياح والشمس والقمر والبرق والرعد وغيرها كلها آلهة طفق الإنسان يعبدها، وينسج حولها الأساطير ويتناقلها خلفا عن سلف وجيلا عن جيل.
1- مفهوم الأديان البدائية
هي الأنواع البسيطة من الأديان التي بقي أغلبها في إطار الأديان والعقائد السحرية، سواء ما كان منها قديما أو معاصرا، وينتمي أغلبها إلى الأديان الفتيشية، الأرواحية والطوطمية، وتمتاز الأديان البدائية عامة بأنها غير منزلة ويدخل السحر في عناصرها.
2- ظهور الدين في الحضارات البدائية الأولى
يرى الباحثون في علم الأديان أن الدين ظهر منذ عصر مبكر، تمثل في النزوع إلى عبادة الطبيعة، وقد شوهدت اليوم نماذج من هذا النزوع عند جماعات بدائية تقطن في بقاع بعيدة ونائية من العالم، وتجلى في تعظيم القوى الطبيعة واستمداد عطائها وإحسانها، وتؤدي الجماعات البدائية في عصرنا الحاضر طقوسا دينية خاصة، يرتدون خلالها ملابس عجيبة وغريبة، ويصغون أقنعة على الوجوه، وينتظمون في رقصات معينة ملتمسين في ذلك العون من القوى الطبيعية، فتراهم مثلا يخاطبون السحاب بإنزال المطر والأنهار والجداول بإرواء الأراضي المجدية بعيدا عن طغيان الفيضانات، والأرض بالخصوبة والمزارع بالبركة في المحاصيل وأمثال ذلك .
3- العناصر المشتركة بين الأديان البدائية
على الرغم من انتشار الأديان البدائية في العالم، وصعوبة العثور على صلة تجمعها إلا أن الغريب حقا هو أن تلك الأديان تتشابه في معتقداتها ويمكن تلخيص عناصرها المشتركة على النحو التالي:
3-1 الاعتراف بآلهة عليا: لا بد أن يعلم أن أصحاب الديانات البدائية يؤمنون بإله عظيم هو فوق تصور البشر ذي علم وقدرة غير متناهيتين فإن ورد في النصوص الدينية خلاف ذلك فلابد من تأويله، ونرى في كثير من المجتمعات البدائية اعترافا بوجود إله خلق كل الأشياء، الإنسان الأرض والبحر والسماء، وهو يرقب من مسافة بعيدة كل شؤون البشر، ولئن يرى أحيانا مالا يقبله من التصرفات، فإنه لا يتدخل في شؤون الناس، وقد كان هذا الاعتقاد واضحا في قبائل البدائية مثل الأقزام الإفريقية، وأهل الغابات في أستراليا، ومن عقائد تلك القبائل أن الإله المتعالي عاش يوما على الأرض، وعلم الناس الشرائع الاجتماعية والأدبية، ثم تقاعد في علم الجو، حيث يرقب بعينه من بعيد تصرفات الناس وأحيانا يوقع بهم صارم العقاب على انحرافهم، فالبرق سلاحه، والرعد زئيره، ولكنه لا يُرى أبدا.
وقد أشار القرآن الكريم إلى أن المشركين كانوا يؤمنون بالله، وهو من الجلالة والعظمة والتنزيه والتقديس بمكان، بحيث يصبح وكأنه بمنأى عن العالم المادي، ومن هنا يجب -في اعتقادهم- التوسل بالأرباب والشركاء الذين أوكل إليهم مهمة تدبير هذا العالم والرجوع إليهم بدلا عنه وهذا ما يشبه إلى حد كبير الرجوع إلى الأسباب التي توفر حاجاتهم المعيشية، وقد زيف الأنبياء والرسل عليهم السلام هذا الاعتقاد، وأكدوا أنه لا حيلة ولا قدرة للشركاء على التوسل، ودل التاريخ على أن الشرك بالله ظهر منذ عصور سحيقة، وفي العصر الحاضر ما يقرب من نصف سكان المعمورة من هندوس وبوذية وأديان بدائية مازالوا يعبدون الأوثان.
3-2 عبادة الأسلاف: أسفر الخوف من الموت عن ظهور خرافات سادت أوساط الجماعات البدائية التي كانت تذعن بوجود ارتباط بين الأموات والأحياء، وقد ساور الخوف من رجوع الأموات عند الجماعات البدائية قديما إلى تقييد الموتى واحكام القبور للحيلولة دون عودتهم مرة أخرى إلى عالم الأحياء، ومع مرور الوقت تبدلت تدريجيا إلى عبادة الأسلاف.
فقد كانت المجتمعات القبلية تقدس الموتى البارزين وتقوم بتأليههم، إذ كانوا موضع التوقير والخشية في حياتهم على الأرض، فإن أرواحهم قد أكرمت بعد موتهم وقدمت لها الأضاحي والقرابين، وقامت حولهم أوضاع العبادة[6]، وما عبادة التماثيل إلا رموز لها.
3-3 السحر: إن السحر في الأديان البدائية يختلف عما نتصوره، ففي تلك الأديان يعد السحر طقوسا تقام لأجل الاستمداد من قوى الطبيعة والاستعانة بها، ويدير دفتها السحرة الذين لا يتميزون عن الآخرين في العلم بل بحلول قوى دفينة فيهم كما يعتقد بذلك الناس، ويستغل السحرة تلك القوى لمعالجة المرضى، ويطلق على هذا الصنف من السحرة اسم شامان (Shaman).
3-4 القرابين: إن الفكرة البدائية في الذبائح والتقدمات تعني تقديم أو إحراق شيء ما من الجمادات أو النباتات أو الحيوانات أو الإنسان لحمل الروح الشريرة على مغادرة الجسد إلى عالم الأرواح والآلهة، وأبسط أنواع الذبائح هي التقدمات ذات القيمة لمراضاة الروح الشريرة، وقد شملت هذه التقدمات في أولى أطوارها- الذبائح الحيوانية بل البشرية أيضا، وذلك لأن الأرواح الشريرة مثلها مثل الإنسان تفتقر إلى الحيوية والقوة الكامنتين في الحياة وفي الدم، وحين يكتشف البدائي أن قوى معينة تلك ملكا غير عادي أو تحيد عن الطريق المألوف- كما يحدث في حالات المرض أو القحط أو المصائب الأخرى، يعمد إلى تقديم الذبائح للقوى التي يعجز عن قهرها، وهذه ذبائح استرضائية، وحين يحس أنه أساء إلى القوى بتصرفاته يعمد إلى تقديم ذبائح للتكفير وهذه ذبائح كفارية، يكفر عنها عن سوء حاله، أو قد يأمل البدائي أن يفتح الطريق لكي تنساب إلى نفسه قوى خارقة للطبيعة، وهذه هي الذبائح السرية المقدسة، مثل إقامة وليمة عشاء مقدس للقوى الروحية، وكل هذه الذبائح تحمل سمات الدين، ولكن السحر منطو أيضا في ثناياها.
3-5 الأرواحية: إن بين القبائل البدائية- حتى في هذا العصر- تسليما عاما أن كل الخلائق الحية المتحركة أو الثابتة لها أنفاسا وأرواحا، وأن لكل مخلوق بشري نفسا أو أنفسا تغادر الجسد مؤقتا أثناء الأحلام، وتغادره نهائيا عند الموت، ويعتقدون أن لهذه الأنفاس والأرواح شكلا وفكرا وإحساسا وإرادة، وهي تحب وتكره تعتدي وتتشاحن أو يتعكر مزاجها لذلك فهي تحب المداهنة والإخلاص لها والولاء في خدمتها لنيل مرضاتها. والفكرة الهامة لدى الشعوب البدائية هي أن الطبيعة كلها تتملكها وتسيطر عليها، وتتزاحم فيها كائنات روحية يقيم لها البدائي وزنا كبيرا لأنها مشحونة بالقوة التي تؤثر على مصير الإنسان ومصالحه.
3-6 عبادة الأحجار والأشجار والحيوان أو المنا: قد شاع عند القبائل البدائية توفير الأحجار كثيرة أو صغيرة، منفردة أو متكدسة، كما نالت النباتات والأشجار نوعا من التقديس والتبرك بما تملك من قوة إنتاجية هائلة لا ينصب معينها، وهي تقدير طبيعي لقوى الطبيعة الغامضة التي تمنح النماء والإكثار. فالأشجار تكثر نتاج قطعان الماشية، أما عبادة الحيوانات فهو ناجم عن القرابة بين الإنسان والحيوان، وقد ساقت هذه القرابة شعوبا كثيرة إلى الاعتقاد بأن نفس الإنسان عند الموت قد تجوز إلى جسد حيوان.
3-7 التابو: عبارة عن محرمات القبيلة مثل مقررات الزواج فقد يكون الزواج عند قبيلة مباحا بين أفرادها، وعند قبيلة أخرى حراما، فالمحرم كان ذائعا في الأديان البدائية، وهناك أشياء يلحقها التحريم المؤقت مثل المرآة عند الولادة، والمرأة التي ترملت حديثا، المشتركون في الحفلات الدينية، كل هؤلاء وغيرهم، يلحقهم التحريم المؤقت، وليس هذا كل ما في الأمر، فهناك أعمال وأشياء وأماكن يشملها التحريم، فالأسلحة الحادة والدم والأظافر المقصوصة(لأن بها بعض الروح) وأطعمة معينة والعقد والخواتم وغيرها كثير قد يشملها التحريم.
3-8 الطوطم: هي عقيدة دينية بدائية، حيث قدست المجتمعات البدائية بعض الحيوانات كطوطم معتقدين أنهم منحدرين منها، والطوطم هو الحيوان المقدس، واعتبر الإله لدى الإنسان القديم، ويراد بالطوطمية كائنات تحترمها بعض القبائل حيث اعتقد الإنسان لعلاقة تنشأ بينه وبين واحد منها وهو يحميه، ومن أجل ذلك حرم قتل هذا الحيوان أو لمسه.
ومن يلق نظرة على أي جماعة بدائية، يشعر لأول وهلة بقدسية المكان، أو الشخص أو الشيء أو الطقس أو الحدث الذي يتخذه موضوعا لعبادته، وينظر البدائي إلى هذه الأشياء نظرة اكبار وتقدير تختلف تماما عن نظرته إلى رمحه أو أفراد أسرته، وهذه القدسية التي ترهبه وتأسره مستمدة في نظره من قوة فائقة، فيها الحياة أو الموت، وفيها الخير أو الشر، وكل شيء مقدس يحمل في ثناياه نفعا أو ضرا حسب الحالة، ولا يمسه إلا الأخصائيون كالزعماء أو الكهنة أو رؤساء القبائل والاقتراب منها مشحون دائما بالرهبة والخشية والتوقير والاحترام، أشبه بمخافة الرب في الأديان الأخرى.
3-9 الأساطير: إن رواية الأساطير شائعة بين الجنس البشري كله، وهي عند البدائيين متصلة بحياتهم كلها، وذلك لأن الأساطير وسيلة لدى البشر لتعليل العادات والعقائد والممارسات والاحتفالات، وتوطيد سلطانها على النفوس، فالبدائيون كثيرا ما يجدون أنفسهم أمام عادات وطقوس يصعب عليهم تأويلها، وفهم معانيها، ومن الطبيعي في مثل هذه الحالة أن يحاولوا تأويلها بالقول: إن آباءنا لقنونا هذه الأشياء-ثم يعودون إلى الوراء إلى أصول بعيدة، إلى آباء لا يذكرونهم، وإلى أبطال أسطوريين، أو إلى آلهة عليا- كل هذا لكي يثبتوا قوة وصلاحية هذه العادات والطقوس الموروثة المتواترة، - والأساطير من هذه الوجهة إنما هي لتزكية العادات والتقاليد، من الأساطير التي كان لها شأن في تاريخ الأديان البدائية هي الأساطير التعليلية أي التي حاول من خلالها تعليل الخليفة و غيرها من أنواع الأساطير
خلاصة: لقد خضع الإنسان البدائي لمشاعره وإحساساته التي تولدت فيه من اتصاله بظواهر العالم الخارجي، ومن الاختبارات التي استمدها من أسلافه في الحياة القبلية والتقاليد والعقائد التي تواترت جيلا بعد جيل، وهو يقبلها كلها كقضايا مسلمة لا يجادل ولا يناقش فيها مهماكان فيها من الخيال والبعد عن الحقائق العلمية. لقد تبلورت صور العقيدة الدينية وفكرة المحظورات أو المحرمات، وفكرة النواهي والزواجر، ثم نشأة الكهانة والسحر، وظهور القرابين، وقد شكلت هذه الأفكار أصول الديانات في نشأتها الأولى.