المحاضرة الأولى مدخل إلى تاريخ الأديان
الخطوط العريضة للقسم
-
تمهيد: الدين في أي وضع من أوضاعه قديم قدم الجنس البشري ذاته، وكل محاولة لفهم نشأة الدين في العالم، تقتضي حتما التسليم بأن في قلب الإنسان وروحه وكيانه، نزعة روحيه ومطلبا يتعدى حاجات كيانه الجسماني ومطالبه. فالإنسان فكر وتصور وصمم على أن يكمل دائرة تفكيره بالعقيدة، لتساعده على مواصلة الحياة والاستمتاع بها، في ظل قوة الآلهة ورحمتها، متجنبا غضبها حتى لا ينال عقابها في الدنيا وفي الحياة ما بعد الموت.
1/ مفهوم الدين: يعد الدين من جملة الموضوعات التي يصعب وضع تعريف لها، ويعود ذلك إلى كثرة الأديان وتنوعها في المجتمعات البشرية.
أولا/ لغة: من الفعل دان الذي يعني الاستعباد والطاعة، والدين هو الجزاء والمكافئة والحساب، أي العبادة والورع والتقوى، حيث جاء في القرآن الكريم ﴿ إنَّ الدِينَّ عِنْدَ الله الإِسْلاَم ﴾ سورة آل عمران، آية 19.
الدين طاعة، وقد دنته ودنت له أي أطعته، والجمع أديان، يقال دان بكذا ديانة وتدين به، فهو دين ومتدين. ودان يدين عز وذل وأطاع وعصى، ودينه تدينا وكله إلى دينه.
وجاء في لسان العرب: والدِّين الجزاءُ والمكافأة، ويوم الدينِ : يوم الجزاء، وفي المثل: كما تَدينُ تُدَانُ، أي: كما تُجَازِي تُجَازَى، أي تُجازى بفعلك، ويحس بما عملتَ، وقيل: كما تَفعل يُفعل بك، فالدِّين الجزاء، والدِّين الحساب، والدِّين الطاعةُ، والدِّين العادةُ، والدِّين الحالُ، والدٍّينُ: الورعُ، الدين: القهر والدِّين: المعصيةُ.
فلفظُ "الدينِ يُطلقُ في لغة العربِ على جميع ما ذكرَ من معانٍ، وهي مع تعددها يمكن جمعها إجمالاً في معنيين:
الأول: العملُ وفيه يدخل: الانقياد، والذل، والطاعة، والورع، والعادة، والحال، والمعصية.
الثاني: الجزاء على العملِ، وفيه يدخل: الحساب، والمكافأة، ومن لوازمه: السلطان، والقهر.
فيتضح بهذا وجه الجمع بين تلكم المعاني التي أوردها أئمة اللغة في كتبهم.
وقد تعددت معان الدين في اللغة وهي تنحصر في إيجاد علاقة بين طرفين، الطرف الأول يتمتع بالسلطان والقوة والملك، والطرف الأخر يتصف بالخضوع والطاعة والعبادة.
ثانيا/ اصطلاحا: ليس بين مؤسسات البشرية مؤسسة تضاهي الدين في سيطرته على نفسية الفرد وزجره وكبح جماح شهواته، سواء أكان الفرد بدائيا أو متمدنا، فالدين بني كيانه منذ نشأته على الحلال والحرام، فالحرام مالا يجوز مسه أو التقرب منه، وحمل الفرد على الاعتقاد بأن من يخالف هذا التحريم يأثم ويستحق العقاب.
كما أن الدين هو عبارة عن أوامر ونواهي يحظر بعضها أفعالا معينة، ويأمر بعضها الآخر بالقيام بأعمال أخرى. ومن يمعن النظر في هذه الأوامر والنواهي يجد أنها في جملتها إنما جاءت لخير البشر وتحقيق مصالحهم ودفع المفاسد عنهم، ولاسيما الأديان السماوية الغير محرفة.
وقيل في تعريف الدين أنه الاعتقاد بأمر مقدس، قيل هو الإيمان بموجودات روحانية، كما قيل إن الدين عبارة عن الاعتقاد بقوة أو قوى فوق البشرية ينبغي إطاعتها وعبادتها.
وهو اعتقاد قداسة ذات، ومجموع السلوك الذي يدل على الخضوع لتلك الذات ذلا وحبا ورغبة ورهبة
ويبدو أن الدين هو ما اعترف به البشر طيلة تاريخهم، منذ وجود الخليقة بأنهم مدينون به للآلهة وقرارات الغيب وإرادات الآخرين غير مرئية، إن مفهوم الدين والدَيْن يرقيان إلى ذلك الإصرار الذي اعتمدته الشعوب المختلفة، على اعتبار أن علة وجودها تتعلق بشيء آخر مغاير لها هي مدينة له في وجودها وصيرورتها.
2/ مفهوم الدين عند العلماء:
أ/ عند علماء الغرب: تباينت تعريفات وآراء الغربيين للدين، وانطلقوا في تعريفاتهم من نظرتهم إلى الكنيسة الكاثوليكية وتاريخها .
تباينت تعريفات وآراء الغربيين للدين، تبعا لاختلاف أيديولوجياتهم، والجانب الذي نظروا من خلاله إلى الدين. وقد تأثرت معظم تعريفات الدين بالمعتقدات الشخصية والآراء المذهبية والفلسفة السائدة، وفيما يلي سوف نذكر نماذج تعبر عن النظرة الغربية للدين.تعبر عن النظرة الغربية للدين.
يعرف ماكس موللر (Muller Max) في كتابه (نشأة الدين ونموه) على أن الدين هو: « السعي إلى إدراك ما لا يدركه الإدراك، والتعبير عما لا سبيل للتعبير عنه والجنوح إلى اللامتناهي ». بينما يعرفه "شلاير ماخر" (Schleir macher) في كتاب (مقالات عن الديانة): « أن قوام حقيقة الدين هو شعورنا بالحاجة والتبعية المطلقة». بينما يعرفه الأب شاتل(Abbé Chatel) في كتاب (قانون الإنسانية) قائلا: «أن الدين هو مجموعة واجبات يقوم بها المخلوق نحو الخالق».
أما روبرت سبنسر(Robert Spencer) فقد عرف الدين في كتاب (المبادئ الأولية) على أنه : «الإيمان بقوة لا يمكن تصور نهايتها الزمنية ولا المكانية، هو العنصر الرئيسي في الدين».
ويقول ايميل برنوف(Emile Burnouf) في كتاب (علم الديانات) أن: «الدين هو العبادة، والعبادة عمل مزدوج فهي عمل عقلي به يعترف الإنسان بقوة سامية، وعمل قلبي أو انعطاف محبة، يتوجه به إلى رحمة تلك القوة».
ويقول ريفيل (Revil) في كتاب (مقدمة تاريخ الأديان) أن: « الدين هو توجيه الإنسان سلوكه، وفقا لشعوره بصلة بين روحه وبين روح خفية، يعترف لها بالسلطان عليه وعلى سائر العالم ويطيب له أن يشعر باتصاله بها».
بينما يذكر سالومون ريناك(Salamon Reinach) في كتاب (التاريخ العام للديانات) أن: «الدين هو مجموعة التورعات التي تقف حاجزا أمام الحرية المطلقة لتصرفاتنا».
ويقول ميشيل ماير(Michel Mayer) في كتاب (تعاليم خلقية ودينية) أن: «الدين هو جملة العقائد والوصايا التي يجب أن توجهنا في سلوكما مع الله، ومع الناس وفي حق أنفسنا».
أما إدوارد تايلور(Edward Tayler) فيقول في كتاب )المدنيات البدائية( أن: «الدين هو الإيمان بكائنات روحية»[4].
هذه التعريفات تمثل وجهات نظر الرئيسية للدين في الغرب وهي تتلخص في أربع اتجاهات هي:
الأول ينكر الدين والإله أصلا، والثاني يلجأ إلى الدين عند الحاجة الضرورية، والثالث يفهم الدين من الناحية الروحية والخلقية، والرابع يرى أن الدين هو كبح للحرية الإنسانية.
ب/ عند علماء المسلمين:
يعرف المسلمين الدين على أنه وضع إلهي يدعو أصحاب العقول إلى قبول ما هو عند الرسول. ويقال أيضا أنه وضع إلهي يرشد إلى الحق في الاعتقادات، وإلى الخير في السلوك والمعاملات.
يقول منعم جاد الله: الدين ليس إيمانا ومعرفة فحسب، بل هو فوق ذلك التفاف روحي متبادل، وهو رباط من الطاعة والولاء والرعاية بين المتدين وبين الحقيقة العليا التي يؤمن بها، والتي يجوز أن يطلق عليها "التجربة الدينية" التي تشمل الجانب الداخلي الباطني لعلاقة الإنسان بالله وتفكره فيه وتوجهه إليه.
ويرى مالك بن نبي في كتاب "الظاهرة القرآنية" أـن الدين ليس مجرد حدث تاريخي عارض، إننا هو سجل كوني للإنسان وحضارته الممتدة من العهود الأولى لوجوده إلى انتهائه.
ومن خلال ما سبق يتضح الفرق في مفهوم الدين بين العلماء الغربيين وبين علماء الإسلام، فعند علماء الغرب خاضع لنظرة الشخص، إلى ما يعتقد، بينما هو عند علماء المسلمين نابع من مفهوم الدين نفسه، ومن هنا حار علماء الغرب في إعطاء تعريف شامل للدين بينما اتفق علماء المسلمين على إعطاء مفهوم للدين وإن اختلفت التعبيرات اللفظية أحيانا.
ثم إن الملاحظ في تعريفيات الغربيين أنهم أبهموا فكرة الألوهية لأنها تترك كثيرا من المعتقدات خارج دائرة تعريف الدين، فلم يهتموا بوضع تصور دقيق للإله، بل جعلوه ضمن عالم الغيب الخفي المقدس الذي شملته نظرتهم إليه، بينما فكرة الألوهية عند علماء المسلمين واضحة ووضوحها جاء من خلال ما أتى به الرسول r.
ثم إن تعريف المسلمين للدين أخرج كل الأديان ما عدا الدين السماوي غير المحرف من مفهوم الدين الحق، فتعريفهم قاصر على الدين المنزل فقط وليس على أي دين، وبهذا فقط خرج بتعريفهم كل الأديان الوضعية، وسموا الأمم التي تدين بالدين الصحيح (أهل الملل) كما سموا معتنقي الأديان الباطلة (أهل النحل).
3- النظريات الفلسفية حول الدين
تعددت النظريات المفسرة لنشأة الدين بتعدد الموجهات الثقافية والحضارية، وكذلك بتعدد التأثيرات الدينية التي يخزنها الباحث في داخله تبعا للقناعات الإيديولوجية والفلسفة، وأيضا للأدوات المنهجية والمعرفية المستخدمة من قبل هذا الباحث أو ذاك. وتستند هذه النظريات إلى جملة مقدمات بحثية ودراسات ميدانية تاريخية وحضرية وأثرية، وإلى الملاحظات العلمية ومن أهم هذه النظريات نجد:
3-1 النظرية الأنتريولوجية: تستند هذه النظرية على دراسة الأنتربولوجيون للمجتمعات البدائية، وأقدم نظرية أنتربولوجية تلك التي جاء بها "هربرت سبنسر"(Herbert Spencer) الذي رأى أن البشرية في أولى مراحلها لم تعرف الدين، ثم بدأت بتقديس أرواح زعمائهم الراحلين، تحولت تدريجيا مع مرور الزمن أرواح أسلافهم المبجلين إلى آلهة تمركز الدين حولها وابتدأ بها.
ولكن إدوارد تايلور(Edward Taylor) طور هذه النظرية وأدخل عليها فكرة الأرواحية، حيث رأى أن الإنسان القديم كان يتأمل في حياته وفي ما يحيط به من موجودات طبيعية، وكانت الأحلام هي مصدر اعتقاده بوجود أرواح تحل في كل شيء، فالأحلام عندما تأملها الإنسان البدائي أوصلته إلى فرضية وجود الروح، إذ فسر زيارة الميت له في نومه بأن روح الميت قد زارته. ومن ذلك أدرك أن هناك كائن آخر غير الجسم يستطيع أن يترك الجسم وتنتقل إلى عالم الأحياء فيصيبهم بالنفع أو الضر، لذلك بدؤوا بأداء طقوس خاصة تجاه نفوس الأموات، لأن الموت هو الذي حول النفس الانسانية إلى روح مقدسة، فإن أول عبادة إنسانية في نظر تايلور إنما اتجهت إلى عبادة الموتى، وكانت الطقوس الأولى طقوسا للموت. وأولى القرابين هي قرابين غذائية تشبع حاجات الموتى، وأول الأماكن التي تقدم عليها هذه القرابين هي القبور واللحود.
وعليه فحسب رآى أصحاب هذه النظرية فإن أقدم معتقد ديني ظهر إلى الوجود هو الاعتقاد بالأرواح وعبادتها، وأولى الآلهة المشخصة حسبهم هي تقديس الأسلاف وتشخيصهم في تماثيل ومعبودات مختلفة.
3-2 النظرية الطبيعية: يرى ماكس مولر (Max Muller) أن تأمل الإنسان القديم في الظواهر الطبيعية حمله على الدهشة، التي دفعته إلى التفكير بأنه محاط بقوى مستقلة عن إراداته. فظهر لديه عالما خياليا ملئ بالكائنات الروحية التي أصبحت محرك الطبيعة وجوهر المعتقد الديني. بينما يرى جيوفنوس (Jovons) أن الظواهر الطبيعة العادية غير كافية لإيقاظ هذه المعتقد الديني، لأن عرضها يتكرر على الحواس فتألفها النفس فلا تحتاج إلى طلب تفسيرها. إنما تثيرها الحوادث الطبيعية المفاجئة والعوارض النادرة والتي يضطرب بها النظام العادي كالبرق والرعد والعواصف والصواعق والخسوف والطوفان والزلازل وغيرها.
فكان من الطبيعي أن تزعج هذه الحوادث الفجائية من يشاهدها، وتحفزه إلى السؤال عن مصدرها، إذ كان لا يرى لها سببا ظاهرا، واضطر عقليا أن ينسبها إلى شيء خفي ذي قوة هائلة، وهذه القوة هي التي تسير العالم، ولابد من العمل على إرضائها بتقديم الهدايا والقرابين والأضاحي.
وفي هذا الصدد يقول هنري برجستون(Henri Bergson): «والواقع أن الطبيعة قد وهبت الإنسان ملكة خاصة، تشبه الخيال من بعض الوجوه تلك هي الوظيفة الأسطورية أو الملكة الخرافية التي بمقتضاها يستطيع الإنسان أن يخترع شخصيات خيالية، وهذه الشخصيات قد تكون أرواحا بادئ الأمر ثم تتحول فيما بعد إلى آلهة».
والملاحظ من خلال عرض رأي أنصار هذه النظرية فإن حسبهم كل الأديان التي أوجدها الإنسان وصاغها كانت نتيجة النظر إلى عجائب الكون المادي. ويرون أن العبادة الأولى كانت عبادة مظاهر الطبيعة.
3-3 النظرية الاجتماعية: يترأس إيميل دوركايم (Émile Durkheim) المدرسة الاجتماعية في تفسير نشوء الأديان، ويوجه في بادئ الأمر نقدا للنظريات السابقة لخلق الفكرة الدينية، فالاثنان حسب رأيه تهريان بالدين عن حقيقته الاجتماعية باعتباره جزءا منها، وقد أسهب دوركايم في دراسة المجتمعات البدائية (الطوطمية)، حيث كان الدين بالنسبة له تعبيرا مجازيا عن المجتمع نفسه.
معروف أن العشيرة هي النواة الصغرى في المجتمع، قوامها وحدة اللقب المشترك بين أفرادها، وهو لقب يشتق في الغالب من اسم حيوان أو نبات وفي النادر جماد، أو كوكب من الكواكب، وتعتقد العشيرة أن لها بمسمى هذا الاسم صلة قديمة حيوية أو روحية ، إما كان حليفا أو حارسا لجدها الأعلى أو نحو ذلك، لذلك تعظمه وترسم صورته على مساكنها وأدواتها وأسلحتها وراياتها، بل يتخذ الأفراد منه وشما يطبعونه على أجسادهم، كأنه بطاقة شخصية لتحقيق انتساب كل منهم إلى عشيرته، وهذا النظام يسمى الطوطم أو اللقب الأسري، وهذا الطوطم هو الرمز الذي تتخذه العشائر البدائية لنفسها، ويعتقد أفراد العشيرة أنهم منحدرون فعلا من هذا الطوطم، وهذه العشائر في تعظيمها لألقابها تعظم في نفس الوقت مسمى تلك الألقاب.
معنى هذا أن القرابة لا تقوم على أساس وحدة الدم، وإنما تقوم على أساس اشتراكهم في اتخاذ الطوطم اسما لهم واشتراكهم في نفس العادات والتقاليد والطقوس الدينية، التي يلتزمون بأدائها نحو الطوطم، وتقوم الديانة الطوطمية على أساس تقديس طوطم العشيرة ويحرم لمسه إلا في المناسبات الدينية الخاصة، بقصد التبرك وقضاء حاجات المجتمع والتكفير عن الخطيئة أو رفع كارثة أحاطت بالمجتمع، وعلى هذا اعتبر دوركايم الديانة الطوطمية أقدم الأديان على الاطلاق، وأنها أصل الأديان البدائية، وإنها متصلة بكل تكوين اجتماعي تكون العشيرة أساسه، بل وأن العشيرة في أبسط صورها لا يمكن أن توجد بدون طوطم.
يضيف دوركايم أن الدين هو قوة اجتماعية يحافظ المشاركون فيها على أداء طقوسه داخل المجتمع الواحد، حيث يري أن الإنسان عندما كان يشترك مع مجموعة في عبادة كائن معين، فهو إنما يعني بذلك عبادة المجتمع الذي ينتمي إليه، فالدين في نظر دوركايم هو المجتمع، فقد قدمت الحياة الاجتماعية مادة أولية أساسية لنشوء الأديان ودليله على ذلك أن ليس هناك أديان فردية بل ظهرت الأديان مع ظهور المجتمعات. ولقد قدمت الطقوس واجراءات التحريم مهدا اجتماعيا لنشوء الأديان.
لكن المتأمل في جوانب النظرية الاجتماعية وما قيل فيها في أصل نشأة الدين، يجد أن هذا المذهب بعيد كل البعد عن الواقع.
3-4 النظرية العاطفية: تتعارض هذه النظرية مع سابقتها، ولا تعزو نشأة الدين إلى الأرواح أو الطبيعة أو المجتمع بل إلى العاطفة، حيث يري أنصار هذه النظرية أن هناك عاطفتين أساسيتين وراء نشوء الدين هما الخوف والطمع، وبما أن أقصى مخاوف الإنسان خوفه من الموت، وأقصى طمعه هو الاستقرار والخلود بعد الممات. هاتان العاطفتان تقودان إلى معتقد يقسم الإنسان إلى كيانين واحد مادي وآخر روحاني، يزول الكيان بالموت، أما بالنسبة للكيان الروحي فانه سيتجاوز واقعة الموت ويترك سكنه المؤقت إلى عالم آخر للوجود يتمتع فيه بالحياة الأبدية، ويرجع مالينوفسكي (Malinovsky) نشوء الدين إلى الاحتياجات العاطفية، ويرى أنها طريق الإنسان لمواجهة الحالات التي لا يستطيع السيطرة عليها.
أما ظهور الآلهة فقد كان نوعا من أنواع الخلاص الذي ابتكره الإنسان لكي يشير به إلى فكرة الخلود أثناء الحياة، ويضمن به فكرة البقاء بعد الموت من خلال رضى الآلهة ومساعدتها.
3-5 النظرية الفلسفية: طرحت الفلسفة منذ بدايتها تصورات عن الدين ونشأته، ولكن أوضح نظرية فلسفية حول نشأة الأديان تلك التي قال بها الفيلسوف هيجل( Hegel)، حيث يرى أن نشأة الدين وتطوره على أساس أن الدين مرحلة ضرورية في التطور الجدلى للروح، ويري هيجل أن الدين ليس مسألة لا شعورية لدى الإنسان، وإنما فيها قدر كبير من الوعي الشعوري ومن الفكر، فالدين عند الإنسان نتاج الفكر ويدلل على ذلك بأن الفكر هو ما يميز الإنسان عن الحيوان، وبما أن الإنسان هو الكائن الوحيد المتدين، كما أنه هو المبدع الوحيد للقانون والأخلاق، فالدين لديه إذن نتاج درجة من درجات الفكر والوعي، من ذلك فإن وجود الدين ليس محض صدفة، وليس وسيلة خالصة، وإنما هو عمل ضروري من أعمال العقل في العالم، ويذهب إلى أن الدين عبارة عن تجل للمطلق في إطار الفكر التصوري، وقدم للدين ثلاث مراحل كبرى هي:
أ- الديانة الطبيعية: ويدرج فيها تلك الديانات التي لم تستطع فيها الروح السيطرة بعد على الطبيعة، مثل الديانة الهندوسية والبوذية والصينية.
ب-الديانة الفردية الروحية: هي ديانة ترى الآلهة ذات أرواح ولم تعد جوهرا. وتضم الديانات التالية اليهودية والإغريقية والرومانية.
ج-الديانة المطلقة: مضمون هذه الديانة حسب تعبير هيجل هو الحق المطلق الذي اعتبره المسيحية، حيث يكشف الإله عن نفسه.
3-6 النظرية النفسية: حيث يري سيقموند فرويد(Sigmund Freud) أن الدين ينبع من عجز الإنسان في مواجهة قوى الطبيعة في الخارج والقوى الغريزية داخل نفسه، وينشأ الدين في مرحلة مبكرة من التطور الإنساني عندما لم تكن الإنسان يستطيع أن يستخدم عقله بعد في التصدي لهذه القوي الخارجية والداخلية، فالمعتقدات الدينية القائمة اليوم تحمل معها طابع الأزمان الأولى التي أنتجتها عندما كانت الثقة، فالدين في هذه الحالة هو مرحلة في تطور الحضارة ينبغي تجاوزها، تماما كما يتجاوز الفرد أحوال الطفولة العصابية في طريقه نحو النضج، وبتعبير آخر فإن الدين ظاهرة عصابية على المستوى العام تعادل الظاهرة العصابية على المستوى الخاص، وأنه نوع من العصاب الاستحواذي الذي يصيب الجماعة.
وبناء على هذا يكون الدين في رأي فرويد تكرار لتجربة الطفل، ويتعامل الإنسان مع القوى المهددة له بنفس الطريقة التي تعلم بها وهو طفل، وأن يتعامل مع شعوره بعدم الأمان. كما يرى أن الدين هو عبارة عن ناتج عارضي للاضطرابات السلوكية المؤدية إلى الكآبة والسوداوية، وإن هذه النظرية تسلط الضوء على الدوافع النفسية التي تقف وراء الحاجة إلى الدين والمعتقدات.