المحاضرة الرابعة: عبادة مظاهر الطبيعة
Résumé de section
-
تمهيد: تعتبر عبادة المظاهر الطبيعية ظاهرة عالمية، حيث انتشرت عند مختلف الشعوب منذ الحضارات البدائية حيث عاشوا كصيادين ثم رعاة ومزارعين. فكان من الطبيعي أن يعبدوا مظاهر الطبيعية المحيطة بهم كالشمس والقمر والحجارة والجبال والأشجار والآبار والعواصف وغيرها، وحيث اعتبر أن هذه المظاهر كانت عندهم منازل للأرواح. لقد شخص المغاربة القدامى المقدس في أماكن كثيرة كانوا يعتقدون أنه يتجلى فيها بأي طريقة.
أولا-أسباب ودوافع عبادة قوى الطبيعية: كان كل مظهر من مظاهر الطبيعة يولد لدى الإنسان الشعور بالضعف والخوف أمامها، وهي تحيط به وتسيطر عليه وتتحداه، لذلك استحوذت تلك القوى الخارقة على عقل البشر، ففكر فيها وخضع لها، وهذا أمر لا سبيل إلى إنكاره، ولابد أن الإنسان بدأ يُعمل فكرة لمعرفة تلك القوى وبذل جهده ليستخلص منها مفهوما معينا. وهو أن الظواهر الطبيعية إنما هي مجرد صور خارجية لأرواح عظيمة للآلهة ذوات إرادات توجه حركاته المختلفة المعقدة، وهذا يعني أن أصحاب الحضارات القديمة لم يعبدوا هذه الظواهر لذاتها وإنما لأنها ترمز إلى الأرواح الإلاهية التي توجهها. وهي قوى تفوق قوة الإنسان وإداركه. مما جعله ينسج حولها القصص ويتناقلها خلفا عن سلف وجيلا بعد جيل، وأخذ يتقرب إليها بالصلاة وتقديم القرابين لاسترضائها وتهدئة غضبها، ومن هنا نشأت عبادة مظاهر الكون بما فيه من قوي طبيعية.
ثانيا/ تقديس المظاهر في بلاد المغرب القديم: لقد قدس المغاربة القدامى كغيرهم من الشعوب القديمة المظاهر الطبيعية الملفتة للانتباه كالجبال والكهوف والينابيع ويعتقدون أنها منازل قوة خارقة في الطبيعة كالجن والأرواح الشريرة، والتي يمكن لها أن تحل في هذه الظواهر، ومن المظاهر الطبيعة التي عبدها المغاربة القدامى نحد:
1-الجبال: كانت الجبال والمناطق المرتفعة مصدر خوف تقديس من طرف المغاربة القدماء، حيث نظروا لها على أنها مساكن إلهية، أو بسبب شكلها الذي يجلب إليها الإله، أو أن ارتفاعها قد يذكّر الإنسان بالسماء مقر كل إله قوي. وقد دلت الشواهد المادية على هذه العبادة، حيث عثر على نقيشة لاتنية قرب منطقة سور الغزلان ورد فيها دعاء لعفريت الجبال باستور يانيس(Pastoranis) الذي يحمي السكان من الرياح العنيفة. والجبال فإن لم تكن كآلهة، فعلى الأقل كمأوى لمخلوق إلهي، ويحوز هذه الدرجة، على الأقل في المغرب مثلا جبال الأطلس( عمود السماء) كما سماه أهل البلد زمن هيرودوت، وشكل موضوع فخرهم. ويضيف روني باصي أن الجبال تثير عند الطوارق رهبة دينية لا يستطيعون التخلي عنها ، لكن ليس المظهر الرهيب من الجبل هو ما يوحي لهم بالفزع، وإنما الملكات التي تقيم فيه.
2- الكهوف والمغاور: لقد اهتم المغاربة بالكهوف والمغاور لحاجتهم لها، فقد اتخذت كمسكن يأويهم من الحر والقر، وكذا مكان لدفن موتاهم، كما كانت محل تقديس من طرف السكان المحليين الذين اتخذوها أمكنة للعبادة، ونظروا إليها بخوف وتقديس، فقد اعتبرها مساكن للآلهة ، وكانوا يرسمون في جدرانها رسوما حيوانية وآدمية مثال على ذلك رسوم على الشكل بشري في كهف دخلة الزيتون قرب ميلة .
3-الأحجار: وقد شاع بين القبائل البدائية توقير الأحجار من كافة الأحجام وقد تكون مفردة أو مجتمعة في أكداس. فالحجر يمثل القوة والقساوة والدوام، ولم يعبد الحجر من أجل مادته، إنما عبد لما يحمل من معان وأبعاد.حيث يرى روني ديسو(R Dussaid) أن عبادة الأحجار كانت عادية بالنسبة للإنسان القديم، لأنها تدخل في إطار تصور المعبود في شكل حجارة، وفي كثير من الأحيان يتم التقرب من الحجر المقدس بملامسته والمسح عليه إما للرضا أو دفع الضرر أو طلبا للشفاء، إذ أن الاعتقاد بملامسته كان كافيا للاستفادة من بعض طاقته، وقد عبدوا الأحجار ذات الأشكال المميزة كالمدببة أو المربعة أو التي ترمز لوجه الإنسان أو أعضائه. في الغرب الجزائري ما بين غليزان وتيارت توجد صخرة على سطحها ثقوب واضحة، يظهر أنها كانت مقدسة توضع فوقها القرابين، وتسكب عليها السوائل وتوقد النار أيضا فوقها.
4- عبادة الكوكب: اهتم الليبيون القدامى بالكواكب، وبالدرجة الأولى الشمس والقمر، تدل المصادر المادية والأدبية أن المغاربة عرفوا عبادة الأجرام السماوية المتمثلة في الشمس والقمر والنجوم وهذا ما تنص عليه عدة وثائق منها نصوص المؤرخ هيرودوت التي تتضمن أخبار تفيد في جملتها أن الليبيون عبدوا الشمس وقدموا لها الأضحيات، وكانوا يعتقدون بوجود أرواح في النجوم وقوس قزح، وأدى بهم ذلك الاعتقاد إلى عبادتها وتقديسها. وقد استمرت هذه الممارسات حتى في الفترة الإسلامية.
5- توقير النباتات والأشجار: كانت فكرة توقير الأشجار والنباتات ذائعة بين الشعوب القديمة، وبل في الثقافات المتقدمة أيضا، وإنا لنرى بقايا هذه الظاهرة في استخدام شجرة الميلاد، ويقال أن المحطبين في بعض مناطق أوربا الجبلية يهمهمون حتى اليوم بدعاء يلتمسون فيه المغفرة قبل قطع شجرة كبيرة، وتأليه الأشجار والنباتات والحبوب إنما هو تقدير طبيعي لقوى الطبيعة الغامضة التي تمنح النماء والإكثار.
6- تقديس مصادر المياه: حظيت مصادر المياه خاصة الأنهار والينابيع بتقديس كبير من طرف القدامى حيث يعتبر تقديس المياه أمرا طبيعيا في البلدان التي يسودها الجفاف، نظرا لأهمية المياه بالنسبة للإنسان و الحيوان و النبات، ولما كانت منطقة شمال إفريقيا منطقة تعرف تذبذب التساقط مما جعل سكان المنطقة يقومون بطقوس استدرار المطر إلى إله المطر أنزار.