Résumé de section

  •       تمهيد: تعتبر عبادة الأسلاف من أهم المعتقدات التي عرفتها البشرية منذ نشأتها الأولى، والتي ما تزال بعض آثارها تمثل صورا حية في عقائد الناس حتى اليوم، ويظهر ذلك من خلال التقديس أو الاحترام المبالغ الذي يلقاه الأجداد والملوك. ويأخذ هذا التقديس شكلا صلبا كلما تقادم الوقت بسبب ازدياد التهويل والمبالغات والأساطير عن هؤلاء. وعليه فاشكالية المحاضرة تنبني حول التساؤلات التالية: ما هي جذور عبادة البشر؟ وماهي أنواع عبادة البشر؟ 

       أولا/ جذور عبادة البشر: تؤكد الأبحاث والدراسات أن الزعماء والملوك الموتى كانوا مادة العبادة، بالنسبة للشعوب القديمة خاصة إذا مر على وفاتهم فترة طويلة من الزمن، حيث يعتبرون السلف الأول لهم، وتكاد تكون هذه العبادة الأهم بين العبادات كونها ارتبطت ارتباطا وثيقا بالعبادة الأسلاف هؤلاء الذين خلقهم الإله الأعظم ومنحهم الحكمة والمعرفة والسبق.

         وقد تضاربت الآراء ووجهات النظر حول الأصول المتعلقة بظهور عبادة البشر، لدرجة جعلت فيها منامات وأحلام الإنسان البدائي وراء هذه العبادة، حيث يعتقد أنه كان يرى في أحلامه أن الموتى قد عادوا فيكلمهم ويتعامل معهم، فكان يخلط بين الحقيقة والأحلام، ويعتبر أرواحهم عادت فعلا لتعيش بينهم وأنها لا تترك دنياها بل تجيء بين الفينة والأخرى لتزور الأحياء وهم نيام.

       يقول بجرسون" أن الأموات سيغدون أشخاصا ينبغي أن نحسب لهم حسابا، فهم يستطيعون أن يلحقوا بنا الأذى ويستطيعون أن يساعدونا فيجلبوا لنا الخير، وهم متصرفون إلى حد ما بما نسميه قوى الطبيعة، فإن شاؤوا كان مطرا، وإن شاؤوا جعلوا الجو صحوا بالمعنى الأصلي والمجازي للكلمة، فينبغي أن نتجنب ما يغضبهم، وأن نسعى إلى مرضاتهم، فنصنع ألوف الوسائل حتى نفوز بهم".

          فالإنسان إذا أحس بالخوف من الأموات يقوم بتقديم ما يظن أنه يرضيه تفاديا لخطره وطمعا في رضاه، وقد وصلوا إلى درجة ضرب الأعناق( التضحية البشرية ) إذا كان ذلك مما يسر الميت.  

         وتذهب المعتقدات القديمة إلى أن أرواح الأجداد ( الأسلاف) لا تبتعد كثيرا عن الأماكن السكنية، فهي لا تغادر القبيلة ولا تحبذ التواجد في الأماكن المنخفضة بل تفضل الأماكن المرتفعة، لتكون على إطلاع بكل ما يجري بوضوح تام، ولأن الجبال والمرتفعات قريبة من السماء فقد كانت مقدسة، كونها قريبة من الخالق الأعظم، وبالتالي تكون على اتصال دائم به.

           لقد استطاعت الأرواحية أن تضع الإنسان على عتبة عبادات جديدة أكثر رقيا إذ استطاع الإنسان أن يميز بين جسد مادي وقوة روحية، وأخذ يقدر بأن العالم ملئ بالأرواح التي تسبب الخير  أو الشر له، وبذلك بدأت فكرة القرابين والذبائح فظهرت الممارسات والطقوس الدينية، ومن خلال اهتمام الناس بأرواح الزعماء والقادة والمتميزين فيهم بدؤوا ينتقلون تدريجيا نحو عبادة الأسلاف، حيث كانوا يقدمون الأضاحي لهذه الأرواح بالذات، وتدريجيا أصبحت أرواح الأسلاف هذه بمثابة الآلهة التي أسبغت عليها صفات خارقة .     

         يكاد يجمع الباحثون على أن المصدر الأول لكل الديانات هو عبادة الأسلاف، مستندين إلى نظرية ابتكرها هوميروس الذي حاول أن يثبت أن آلهة اليونان كلها مثل زيوس وغيره من أترابه الذين عاشوا فوق جبال الألب كانوا في الأصل حكاما ومصلحين ظفروا بولاء رعاياهم، فارتفعوا بعد موتهم إلى مرتبة الآلهة الخالدة في السماء، وكان شأنهم شأن الشمس والقمر والنجوم التي قفزت إلى مرتبة الآلهة.

    ثانيا / أنواع عبادة البشر: هناك صنفين من عبادة البشر ألا وهي عبادة الأسلاف(الأجداد) وعبادة الملوك.

       1/ عبادة الأسلاف: إن الأشكال الأكثر بساطة لعبادة الموتى أو الأسلاف، تتمثل في الهبات والهدايا التي توضع بجانب القبر، وأحيانا تكون هناك موائد خاصة بذلك مثل ما هو موجود بفم لرجام( بواد درعة بالمغرب الأقصى)، حيث توجد طاولات أو مذابح لتقديم القرابين، تم التعرف عليها قرب القبور ذات الفتحات أو الكوات التي تفتح بدورها على غرفة الدفن، والغريب في الأمر أن مواقع الطاولات والمذابح وأرضياتها توجد دائما شرق الصروح والأضرحة، كما أن الكوات الموجودة في القبور كانت مفتوحة دائما نحو الشرق، وهذا التكريم والتقدير للموتى لم يكن اعتباطيا، فالميت المعبود والمؤله لم يكن أداة تخويف أو كائنا شريرا، بل عبارة عن قوة خيرة تستعمل لصالح الجماعة.

      وفيما يخص عبادة الأسلاف في بلاد المغرب فقد اهتم الإنسان المغاربي بأسلافه واحترامهم لهم إلى درجة أن قبيلة "الناسامون" كانت لها طريقة خاصة في الَقسم واستقراء الغيب وتتجلى بتوجههم إلى قبور أسلافهم الذين عرفوا في حياتهم بالعدل والاستقامة، ويضعون أيديهم على القبر ثم يقسمون بصاحبه، وأما طريقتهم في استطلاع المستقبل فكانوا يذهبون إلى قبور أسلافهم ويقدمون الأدعية (الصلاة) ثم ينامون بجانب القبر، وكل ما يتراءى لهم في الحلم يفعلونه. وفي رأيهم أن قوة الموتى ليست محدودة في نظر الأحياء بمعرفة عالم الغيب فقط بل تشتمل الشفاعة وصيانة العهود، بل وأكثر من هذا فإن كان الدفين رجلا ذا مكانة متميزة خلال حياته، فإنه ينشر حمايته على عشيرته ويصبح مكانه مقدسا.

          ويبدو أن هذا الطقس مارسته الكثير من القبائل منها الذين كانوا يرتادون قبور موتاهم ويعتبروها أماكن للتنبؤ بالمستقبل، ويعتبر كامبس بأن قبور المنطقة الصحراوية المنتشرة من موريطانيا إلى فزان والتي تعود إلى فترة فجر التاريخ تدعم رواية هيرودوت، لاحتوائها على معبد صغير فهي قبر ومعبد في نفس الوقت. كما كانت تذهب نساء الطوارق في مناطق عديدة من الصحراء إلى قبور قديمة وينمن عليها لمعرفة أخبار رجالهن الغائبين.

         وكانت عبادة الموتى عند الرومان تشغل مكانا كبيرا في حياتهم الدينية، وترجع أصولها  إلى المفاهيم الرومانية الأولى التي كانت تنص على أنه يبقى من الميت بعد وفاته روح يجب إرضاؤها حتى لا تغضب لأنه بإمكانها أن تسيء أو تحسن إلى الأحياء، لذلك كانت تقدم إليهم الهدايا إلى القبور، وأصبحوا يقيمون أعياد على شرف الأموات لتهدأ أرواحهم.

    ب/ عبادة الملوك:

       لقد حظي بعض الملوك بالتقديس عند القدماء، ويظهر ذلك مختلف المصادر، وقد ذكر القرآن الكريم أن الملوك في الحضارات القديمة قد نالوا قسطا من العبادة والتقديس، فهذا فرعون بما أوتي من قوة وسطوة يدعي الألوهية وينساق بعض الناس لتصديقه مخافة منه في قوله تعالى: ﴿وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم  من إله غيري، فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى رب موسى وإني لأظنه من الكاذبين﴾ سورة القصص آية 38 . وفي موضع آخر يذكر الله سبحانه وتعالى مخاطبا موسى:﴿اذهب إلى فرعون إنه لطغى فقل هل لك أن تزكى، وأهديك إلى ربك فتخشى فأراه الآية الكبرى، فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر ونادى فقال أنا ربكم الأعلى﴾ النازعات آيات 17-24  فمن خلال الآية يتبين أن الفرعون هو من فرض عبادته على شعبه.

           عبادة الملوك عند المغاربة موضوع عرف تباين آراء المؤرخين حوله، وتعود أولى الإشارات حول عبادة الملوك إلى القرن 3 ق م. حيث عثر في دوقة على نقيشة تعرف بنقيشة دوقة الثانية بالقرب من الضريح، والتي كتبت باللغتين البونية والليبية معا ونصه: « شيد سكان دوقة هذا المعبد للملك ماسينيسا بن الملك غايا بن السوفيت بن زلاسن وذلك في السنة العاشرة لحكم الملك مكواسن» وقد استند بعض المؤرخين الغربيين على هذا النقش في تأليه النوميديين للملوك، في حين يشكّك آخرون في ذلك أمثال دوكريه وفنطر في ذلك، ويذكران أن النص لا يؤكد الاعتقاد بتأليه ماسينيسا فهو لا يتضمن إلا لقبه كملك.

         وهذا الجدل لا يمكن حسمه إلا بزيادة توفر الدلائل التاريخية على ذلك، ومن هذه الدلائل تلك التي تفيد أن الملك يوبا الثاني كان يرسم نفسه على العديد من النقود ورأسه مغطى بجلد الأسد نيميا الذي قتله هرقل في أحد بطولاته، وكان يذكر أنه من سلالة هراكليس، كما ورد عند مارتيانوس مينيوس فيليكس أن يوبا كان إلاها عند الموريين، كما عثر في شرشال على تكريس مهدى إلى الملك بطليموس بصفته إلاها، وحسب بعض المؤرخين فإن السكان قاموا بتقديس جني الملك (أي روحه وعبقريته أو ذاته المعنوية) وليس الملك نفسه، وإن كان ذلك لا يمنع من أن نستنتج أن بطليموس كان إلاها لرعيته. كما تم العثور على عدة نقوش إهدائية كتبت باللغة اللاتينية تعود إلى الفترة الرومانية تتضمن تأليه بعض الملوك النوميد مثل غلوسا وهمسال.

         وأما في العهد الروماني فقد فرض الرومان عبادة الإمبراطور استخدامها كوسيلة للسيطرة والرومنة ومحاولة لكسب العناصر المتأثرة بالحضارة الرومانية لمساندة سياستهم، إلا أن محاولة الرومان في ذلك قد فشلت، ولم تحض عبادة الإمبراطور المؤله بإقبال كبير من قبل المغاربة، إذ أن أغلب عباد الأباطرة كانوا إما رومان أو مترومنين لهم نفس المصالح.

         وعلى العموم فعبادة الأسلاف والأبطال وتوارثها عبر الأجيال والذين لازال البعض من الناس حتى اليوم ينظر بعين القداسة لبعض أضرحة الأولياء ويعتقدون بقدرتهما الفائقة على تحقيق أمانيهم.