Résumé de section

  •        مقدمة: عرف الإنسان البدائي ديانات بسيطة مستوحاة من البيئة المحيطة به، فقد عبد الظواهر الطبيعية، كالشمس والقمر والنجوم، كما اتخذوا أرواح حارسة دعوها بالطوطم، وهذا الأخير الذي ظهر عند الجماعات البدائية، وسمى الباحثون هذه الديانة بالطوطمية. تعتبر مرحلة الطوطمية من إحدى المراحل الدينية التي مر بها الفكر الديني الإنساني. وعليه فإشكالية المحاضرة تنبني حول التساؤلات التالية:  ما لمقصود بالطوطمية؟ وما هو مضمونها وأحكامها؟

          أولا/ مفهوم الطوطمية: هي ديانة بدائية مقيدة بأسس وقواعد كثيرة، يطلق هذا الاسم على العقيدة التي وجدت منتشرة في أغلب الديانات البدائية في العالم المعاصر والعالم القديم،  وهو اسم مأخوذ من لغة الهنود الحمر في أمريكا الشمالية، والتسمية لم يتفق بعد على ضبطها، ولا تحديد معناها، فهو في المشهور (Totem)  ويكتب أيضا (Totam) أو (Toodaim) وهو يفسر تارة بمعنى موطن العشيرة  ومستقرها وتارة  بمعنى العلامة أو الشعار.

           الطوطمية مشتقة من كلمة طوطم(Totem) وهو شعار لطائفة من الناس يلتفون حوله ويحتمون به، ويعتقدون بأن رابطة قدسية تربطهم به ، وفي دراسات أنثربولوجية  موسعة كشفت أن الطواطم الخمسمائة في أستراليا يرجع أربعمائة وستون منها إلى طواطم حيوانية ونباتية، وأربعون  فقط إلى طواطم غير حية يتمثل معظمها في مظاهر الطبيعية كالسماء والشمس والقمر والكواكب والسحاب والمطر البحار والماء والبخار وحتى الريح والخريف والربيع[4]. وأحيانا يتحول الطوطم إلى رمز ويصبح الرمز مركز العبادة الطوطمية، ويكون الرمز إما رسما للطوطم أو شكلا هندسيا أو مجموعة خطوط أو جلد حيوان  أو ملابس أو دروعا أو وشما أو مجموعة عصي.

          ويذكر خزعل الماجدي أن الطوطمية عبادة سحرية متطورة عن عبادة الحيوان التي سادت في (البالوليت) ويحركها الاعتقاد بأن بعض الحيوانات والنباتات وبعض الأشكال المادية وظواهر الطبيعة . و أن الإنسان منحدر في أصوله منها لتصبح مقدسة ورموزا لديه.  

           لم يظهر مصطلح طوطم (Totem) في الأدبيات الإثنوغرافية إلا في أواخر القرن الثامن عشر، حيث وردت أول مرة في كتاب مترجم لكاتب هندي يدعى (لونج G.Long) ضمن كتابه المنشور في لندن عام 1971.  ثم تحدث جيمس فريرز في كتابه عن الطوطمية كدين، وكنظام اجتماعي، وقد أكتشف بالدوين سبنسر وجيلين خلال أبحاثهما التي قاما بها في وسط أستراليا عدد من القبائل التي تدين بالطوطمية عقيدة وعملا.

       ثم ليأتي دور دوركايم الذي تبنى هذه الجهود وواصل جهوده عليها، وقد اقتصر في أبحاثه على دراسة الدين البدائي للمجتمعات الأسترالية، وهو ما عرف بالطوطمية. والنظام الطوطمي كما يراه دوركايم، نظام عرفته الشعوب القديمة المصرية والأثيوبية والعربية واليونانية والرومانية، كما أنه لا يزال منتشرا في القبائل غير المتحضرة في أمريكا وأستراليا.

       ثانيا/ مبادئ  وأسس وأحكام الديانات الطوطمية:

    1/ الطوطم هو الذي يجمع أفراد القبيلة، وهم يتسمون باسم طوطمهم.

    2/  يحرم على أتباع الطوطم قتله أو أكله، لأن ذلك يؤدي إلى الموت أو العذاب الجسدي القاتل.

    3/ إذا مات الحيوان قضاءا وقدرا تحزن القبيلة كلها، ويقام له شعائر مثله مثل أي فرد من القبيلة.

    4/ عند الاحتفالات أو المناسبات يقوم أفراد القبيلة بلبس جلود طوطمها.

    5/ العشائر تتخذ صور الحيوانات الطوطمية شعارا لها ويزينون أسلحتهم بها

    6/ القبيلة التي تتخذ حيوان مفترس طوطما لها، هو في اعتقادهم لا يؤذيهم. وإذا صادف أن هاجم شخصا من القبيلة فالشخص قام بخطيئة ويصبح منبوذا في القبيلة.

    7/ يعتقد أفراد القبيلة أنهم ينحدرون من طوطمهم، وأنه جدهم الأول، لذلك فهم أقرباء وأنهم من أصل واحد[12].

    8/ الطوطم يحمي العشيرة ويحرسها وإن كان مفترسا فيرحمهم ويشفق عليهم .
    9/ الطوطم ينبئ العشيرة بالمستقبل ويهديها للطريق الصحيح.

    ثالثا/ الأصول الأولى لنشأة الطوطمية

          تنوعت المعتقدات والعبادات البدائية وكانت جميعها مستوحاة من البيئة المحيطة بالإنسان، فقد راقب الإنسان البدائي بيئته بكل ظواهرها، ويبدأ ينسج بخياله صور عدة وكان من بين هذه الصور أنه ظن أن أباه الذي يظهر له في الحلم هو هذه القوة الخفية فعبده وذبح له القرابين، واتخذ من قبره مزارا فنشأت عبادة أرواح الأسلاف  والتي هي عبارة عن عبادة شيء ما مكانه جسد تقمصته روح ولربما كان هذا الشيء شجرة أو قطعة خشب ثم تابعت هذه الاشياء تطورها إلى أن اتخذت شكل تماثيل ثم تطورت هذه العبادة لتصبح عبادة ثابتة، واصبح لكل قبيلة جد قديم تجعل منه إلاها ورمزا لها. ومع تطور المعرفة عند الإنسان البدائي وارتقاؤه أخذ هذا الإنسان يتصور أن روح هذا الجد يمكن أن تحل في هذا حيوان أو شجرة فانتقل إلى عبادة الحيوانات والأشجار و أصبح لكل قبيلة حيوانها الخاص الذي تعبده وتبجله ومن هنا نشأت فكرة الطوطم وهو مرة طائر ومرة ثعلب ومرة بقرة وتارة أخرى شجرة عتيقة هكذا تطور الفكر الإنساني وتعددت القوى وتبدلت بما يوافق مع تعدد حاجات هذا الإنسان ومخاوفه بالإضافة إلى تعدد العوامل الجغرافية والطبيعية التي يعيشها ولكي يتقرب الإنسان البدائي من هذه المعبودات أدى بقرابته منها وبأصله الواحد الذي يجمعهما معا، وهكذا نشأت أولى الأفكار التي كونها الإنسان بطبيعته.

          ويعد الطوطم رفيق ومساعد مع الأرواح الخارقة، وهو وجود مقدس حيث تعتبره الجماعات كهوية لها، يحرم لمسه وتحطيمه، ويرى بعض الباحثين أن الطوطمية ما هي إلا ممارسات تقليدية تخلق نوع من التوازن البيئي، لضمان الاستخدام الرشيد للحيوانات والنباتات، وتعد ايضا من الفلسفة في استخدام الموارد والمحافظة عليها. وقد ضمت الطوطمية اعتقادات منها الإيمان بوجود أرواح تسيطر على الطبيعة بطريقة أو بأخرى ولابد من نيل رضاها[13].

      رابعا/ الفرق بين الطوطمية وعبادة الحيوان:

         تختلف الطوطمية عن عبادة الحيوان والنبات من حيث أن أفراد العشيرة الطوطمية لا يقفون حيال طوطمهم كما يقف عابد الحيوان أو النبات حيال معبوده، فهذا يعد نفسه من طبيعة بشرية  تختلف اختلافا جوهريا عن  طبيعة معبوده ويعتبر نفسه شيئا حقيرا إذا قيس بالآلهة، في حين أن النظام الطوطمي يجعل الإنسان من طبيعة طوطمه، ويضفي عليه قدسية هذا الطوطم، فالعلاقة بين أفراد العشيرة وفصيلة طوطمها ليست علاقة عباد بالآلهة، بل هي علاقة أقرباء تربطهم ببعض وشيجة الدم ولحمة النسب الوثيق .

    خامسا/ الطوطمية في بلاد المغرب القديم:

              لقد وجدت آثار عبادة الطوطمية في بلاد المغرب القديم، فقد عبد المغاربة الكثير من الحيوانات كالكبش والثور والأسد، كما قدس حيوانات أخرى أقل شأنا، مما يوحي بتواجد ملامح العبادة الطوطمية في بلاد المغرب، فديودور الصقلي يخبرنا عن مدن القرود في غرب قرطاجة، حيث تعيش القرود مع العائلات وهي تحترمها بشكل كبير، ويعاقب بشدة من يؤذيها، فقبيلة البسيل(Psylles) في منطقة السرت لها علاقة مع الأفاعي القرناء، فهي عدوة الليبيين بينما لها عهد مع البسيليين الذين كانوا لا يتأثرون بلدغاتها، وحسب قول بعض الليبيين فإن البسيلي إذا شك في مولود زوجته، فإنه كان يملأ صندوقا بالحيات الهائجة ويرمي فيه المولود، وبعدما يلامس الطفل الحيات فإذا هدأت فهو ابنه، واستمر المغاربة في تقديس الأفاعي حتى الفترة البونية والرومانية، ففي مدينة تيبازة شاع  أن القديسة صالصا قد علمت أن ألامها نابعة من وجود أتباع لها يقدسون أفعى من البرونز مرصعة بالذهب، كما أشير إلى تقديس القط الوحشي الذي تظهر بعض صوره على تيجان آلهة مختلفة وفي أماكن منعزلة .

       خلاصة: إن عبادة الطوطمية لم تكن أساسا مبنية على عبادة الشيء أو الحيوان لذاته، لكن أتباعها يرون أن روح سامية تسكن ذلك الطوطم، وغالبا ما يعتبرونها روح ربهم التي تجلت في طير أو كبش أو غيرها من الحيوانات أو الجمادات.