المحاضرة الأولى بوادر الفكر الديني في فترة ما قبل التاريخ
Section outline
-
مقدمة: الدين في أي وضع من أوضاعه قديم قدم الجنس البشري ذاته، وكل محاولة لفهم نشأة الدين في العالم تقتضي حتما التسليم بأن في قلب الإنسان وروحه وكيانه، نزعة روحيه ومطلبا يتعدى حاجات كيانه الجسماني ومطالبه، كما أن نزعة التدين ظهرت من غريزة التطلع إلى الغيب ومحاولة معرفة الحقيقة الموجودة وراءه، وقد عبر برغسون(1859-1941) بقوله : "في الماضي أو الحاضر مجتمعات بشرية لا تعرف العلم والفن أو الفلسفة، ولكن ليس ثمة مجتمع بلا دين" فبالتالي الدين مؤسسة اجتماعية لا يستغني عنها أية مجموعة بشرية مهما كانت بدائية. وعليه فإشكالية المحاضرة تنبني حول التساؤلات التالية: ما هو مفهوم الدين؟ وما هي البوادر الأولى للفكر الديني في عصور ما قبل التاريخ؟
أولا/ تحديد مفاهيم:
1/ مفهوم الدين: يعد الدين من جملة الموضوعات التي يصعب وضع تعريف لها، ويعود ذلك إلى كثرة الأديان وتنوعها في المجتمعات البشرية.
أ/ لغة: من الفعل دان الذي يعني الاستعباد والطاعة، والدين هو الجزاء والمكافئة والحساب، أي العبادة والورع والتقوى، حيث جاء في القرآن الكريم ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾سورة آل عمران الآية 19.
ب / اصطلاحا: الدين هو عبارة عن أوامر ونواهي يحظر بعضها أفعالا معينة، ويأمر بعضها الآخر بالقيام بأعمال أخرى. ومن يمعن النظر في هذه الأوامر والنواهي يجد أنها في جملتها إنما جاءت لخير البشر وتحقيق مصالحهم ودفع المفاسد عنهم، ولاسيما الأديان السماوية الغير محرفة.
وقيل في تعريف الدين أنه الاعتقاد بأمر مقدس، قيل هو الإيمان بموجودات روحانية، كما قيل إن الدين عبارة عن الاعتقاد بقوة أو قوى فوق البشرية ينبغي إطاعتها وعبادتها.
ثانيا- تعريف الأسطورة:
أ/ لغة: هي الأحاديث المنمقة أو المزخرفة التي لا نظام لها، فهي مشتقة من سطر من الشيء بمعنى الصف من الكتاب والشجر والنحل ونحوها، وسطر: إذا كتب كما. ورد في قوله تعالى: ﴿ ن والقَلمِ وما يَسْطرُونَ﴾سورة القلم آية 1، وسطرها بمعنى ألفتها، وسطر علينا أي أتانا بالأساطير.
وقد وردت في القرآن الكريم استعمالات للمصطلح بمعنى ما ليس له من أصل من الأحاديث في قوله تعالى: ﴿ إذَا تُتلَى عَلَيهمْ آَياتُنَا قَالُوا سَمعْنَا لَو نَشَاءُ لقُلنا مثلَ هذَا إنَّ هَذَا إلاَّ أَسَاطيرُ الأَولِينَ﴾سورة الأنفال آية31، وفي قوله تعالى: ﴿ قَالُوا أَساطِيرُ الأَولينَ أَكْتتبُهَا فَهِي تُملَى عَليهِ بُكرةً وأَصِيلاً) سورة الفرقان آية 5.
ب/ اصطلاحا: هي نظام فكري متكامل، استوعب قلق الإنسان الوجودي وتوقه الأبدي لكشف الغوامض التي يطرحها محيطه، والأحاجي التي يتحداه بها التنظيم الكوني المحكم الذي يتحرك ضمنه. وهي التفكير في القوى البيئية الفاعلة الغائبة وراء هذا المظهر المتبدي للعالم، وكيفية عملها وتأثيرها وترابطها مع العالم والحياة.
ثالثا- بوادر الفكر الديني في عصور ما قبل التاريخ:
لم يكن إنسان ما قبل التاريخ كائنا متوحشا يعيش كبقية السوائم، ذلك أن العديد من الأدوات الحجرية التي تم العثور عليها والتي يرقى تاريخها إلى مئات السنين تتميز بالتناسق والجودة، ونلمس من خلالها تعبيرا واضحا عن إحساس فني.
تبين الأبحاث أن فن ما قبل التاريخ يرتبط ارتباطا وثيقا بالمعتقد الديني، فالمكتشفات الأثرية تشير إلى إن إنسان ما قبل التاريخ كانت له معتقدات دينية نلمسها من خلال العديد من الآثار التي سبقت ظهور التدوين بعشرات ألاف السنين. فعصور ما قبل التاريخ تحكي لنا في صمت جذور العقيدة وبداياتها بشكل موثوق.
1-العصر الحجري القديم: ينقسم العصر الحجري القديم إلى ثلاثة مراحل هي
أ- العصر الحجري القديم الأسفل(le paléolithique inférieur): لا شك أنه من الصعب رسم صورة مفصلة عن معتقدات وطقوس إنسان ما قبل التاريخ بسبب عدم وضوحها إلا أنه لا يمكن إنكار وجود الفكر الديني في هذه الفترة، بل هناك من يذهب إلى قول أن إنسان الباليولتيك مشبع بالتدين، أو بالأحرى هو العصر الذي عرف فيه الإنسان فجر الوعي، فصناعة الأحجار واكتشاف النار واستعمالهما يعدان من أهم انجازات العصر الحجري القديم على المستويين المادي والروحي، فالنار أول مقدس احتك به الإنسان حيث حركت أولى النوازع الدينية. لأنها كانت أول إشارة للخوف والرهبة والدهشة والجمال والمنفعة.
ب- العصر الحجري القديم الأوسط(le paléolithique moyen): لقد بدأت في هذه الفترة تظهر عقائد دينية ذات طقوس معينة وهي كالتالي:
*- الدفن: من الدلائل المادية لظهور الفكر الديني عند الإنسان هو المقابر، ويعتقد أن الإنسان النيندرتالي، أول من دفن موتاه في قبور فردية وجماعية بسيطة محفورة في الأرض، ومع ظهور العصر الحجري القديم المتأخر في بلاد المغرب، نستطيع التحدث عن الحياة الروحية لإنسان ما قبل التاريخ. فقد عثر على الكثير من الهياكل العظمية المحفوظة جيدا في العديد من المواقع. فقد وجدت عظام الإنسان في المواقع العاترية، غير أن الدفن أصبح واضحا في الحضارة الإبرومغربية التي عرفت استخداما واسعا للعظام، ثم تلتها الحضارة القفصية.
*- حياة ما بعد الموت: هناك أدلة معينة تجعلنا نقول أن إنسان نياندرتال كان يعتقد بحياة ما بعد الموت، ودليل ذلك المقابر البشرية التي تحتوى على الهياكل العظمية المحاطة بالأدوات. والأسلحة والحلي الحجرية وأحيانا بعض الزهور مما يجعل البعض يعتقد أنه آمن بحياة بعد الموت أو بخلود الروح.
*- عبادة الحيوان: كان الإنسان النيوندرتالي هو أول من عرف العبادة وفق ما يشير إليه معظم الباحثين، حيث ظهرت دلائل عن وجود عبادة الحيوان أي ما عرف بسيد الحيوان في أوربا في فترة الحضارة الموسترية.
يمكننا أن ندرك أن تقديس الحيوانات كان يسود في تلك الحقبة التاريخية، وقد كان الإنسان ينظر إلى الحيوانات- رغم أنها هدف للصيد – نظرة ملؤها الرهبة بسبب قوتها وضراوتها، فقد وجدت صور للثيران المتوحشة وللأسد وغيرها من الحيوانات .
وقد لاحظ الإنسان قوة هذه الحيوانات وتنوعها بل ومنافسته له في هذا العالم في الحصول على الغذاء وكل هذه الملاحظات دفعت الإنسان إلى تقديس الحيوان، وقد نجد تفسيرا منطقيا في الديانات الطوطمية التي رأت في الحيوان المقدس مبدأ جمع شمل القبيلة وأن افتراسه في طقوس دينية جماعية كان يعني توزع هذا المقدس على أبناء القبيلة حيث يقوم بجمعها في صلة واحدة قوية" ومن الواضح أن الإنسان الصياد رأى في الحيوان سر بقائه واستمراره كيف لا وهو مصدر غذائه آنذاك.
وقد عرفت منطقة الشمال الإفريقي هذا النوع من التقديس للحيوان حتى جاء تمثيلهم لألهتهم على هيئة بعض الحيوانات "فالإله أمون- وهو إله كبش- "هو الإله الكبير عند المغاربة ويبدو أنه كان إلها مركبا تكون من كبش قديم يمثل قوة القطعان البربرية وقوة الإله الشمسي الكبير أمون. رع المصري.
ج- العصر الحجري الأعلى(le paléolithique supérieur)
*-ظهور الفن: شهد العصر الحجري ظهور نوعين من الفن وهما الفن التشكيلي والذي يتجلى في جداريات الكهوف، وفن النحت الذي تجسد في التماثيل الفينوسية، ويعتقد البعض أن "ظهور الفن في هذا العصر ليس من أجل الفن بل هو استمرار لتشكل الدين، لكن المسألة لم تحسم بعد فقد اكتشف العلماء مجموعة من الرسومات في كهوف بين جنوب فرنسا وشمال إسبانيا( أنظر الصورة رقم 2) واختلف العلماء في تفسيرها فهناك من يؤكد أن هذه الرسوم لأغراض فنية وجمالية فقط، بينما يذهب البعض الآخر إلى اعتبار هذه الرسومات ذات دلالات دينية ويرى جوزيف كامبل" أن هذه الكهوف ما هي إلا معابد أو كنائس الإنسان العصر الحجري وضع على جدرانها بكل تبتل وعناية روحية ما كان يضفي عليه صفة التقديس
كما انتشرت مجموعة من الدمى العشتارية أو الأنثوية أو الفينوسات كما يسميها الباحثون الأوربيون، وهذه الدمى تجسيد لآلهة أنثوية ويبقى السؤال المطروح هو: كيف ظهرت هذه الدمى وما زال وقت اكتشاف الزراعة بعيدا على اعتبار أن هناك ارتباط بين الآلهة الأنثوية وهذه المرحلة من تطور الإنسان.
ثانيا- العصر الحجري الوسيط (Le Mésolithique)
1-السحر والتعاويذ: ظهر العلم الأول ألا وهو السحر مع بداية استقرار الإنسان في قرى لحاجته للسيطرة التدريجية على الطبيعة، حيث كان الإنسان يحمل التمائم من القواقع أو العظام، وبيض النعام وجلود الحيوانات، فقد كان الإنسان يؤمن بفاعليتها في إبعاد القوى الخفية الشريرة التي من المحتمل أن تهدد حياته، فضلا عن أنها تؤثر عما حوله. في هذا الصدد يقول هنري برغسون:" أن الدين البدائي هو وقاية من الخطر الذي يتعرض له الإنسان إذ يفكر إلا في نفسه، وعلى هذا فهو رد فعل دفاعي تقاوم به الطبيعة العقل"
ثالثا- العصر الحجري الحديث(Le Néolithique)
استمرت في هذه الفترة العبادات القديمة ولكن بشكل متطور، فقد استمر تقديس الحيوان، وأصبحت عبادته شائعة في عصر النيولتيك، وقد ظهرت تجلياته من خلال المنحوتات الطينية والفخارية للحيوانات كالماعز، الأبقار، الخرفان والكلب. كما استمرت المدافن في التطور ففي العصر النيولتيكي كان الإنسان يدفن موتاه في خنادق أو حفر محاطة بحجارة على شكل أضرحة، وهو ما نجده في موقع كلومناطة بتيارت ( انظر صورة)، وموقع الروازي بالصخيرات الذي يقع على بعد 30 كلم من الرباط، حيث تم اكتشاف العشرات من الهياكل العظمية، بالإضافة إلى ذلك فقد ظهرت معالم جنائزية ضخمة بحيث تكونت في هذه الفترة مقابر واسعة مثل مقبرة بونوارة ومقبرة الركينة ومقبرة إيشوكان بشرق الجزائر.
كما تنوعت الفنون النيوليتكية من رسومات ونحت وتشكيل تماثيل من مختلف المواد الطبيعية من حجر وطين، وغدت ذات خصائص ميزت كل منطقة وكل فترة من ذلك العصر، ومثلت صورا حيوانية و إنسانية على إختلاف المواضيع التي تناولتها
فضلا عن ظهور دلائل مادية دينية أخرى منها:
أ-طلاء الجثة بالمغرة: ما يميز العصر الحجري الحديث هو بروز الطقوس الجنائزية كطلاء الجثث والتعرية من اللحم واستمرار ووضع الأدوات الجنائزية مع الميت. كانت عادة طلاء الجثث باللون الأحمر المغرة (L’ocre-rouge ) إشارة إلى الدم الذي هو قوة وحياة، وكانوا يصبغون جسد الميت بالمغرة معتقدين اعتقادا راسخا أنهم بعملهم هذا إنما يجددون حياته.
وقد أكتشف في موقع كلوماطة قرب تيارت عظام مطلية باللون الأحمر، وهي دليل على استخدام إنسان الحضارة القفصية للمغرة الحمراء.
ب- عبادة الجماجم: هناك ظاهرة غريبة ظهرت خلال العصر النطوفي بفلسطين وهي أنهم كانوا في بعض الأحيان يقومون بفصل رأس المتوفي عن جسده، إما في وقت الدفن أو بعد تحلل جسم الميت، ومن ثم دفن الجمجمة منفردة داخل البيت السكني، باعتبارها مقر للروح أو وعاء للقوة المقدسة، الأمر الذي يدل على المكانة الخاصة للرأس في معتقدات المجتمعات القديمة المتعلقة فيما بعد الموت، وقد عثر في تل الرماد (الألف السابعة – الألف الخامسة ق م) أثار عبادة تقديس الجماجم، إذ وجدت مجموعة من الجماجم بشكل منفصل عن الأجساد مدفونة في حفرة قريبة من المساكن وهي مطلية بالجص وملونة بالأحمر ووضعت لها تماثيل من الطين بطول 25 سم ، مما يشير إلى تقديس الأموات أو عبادة الأجداد كنوع من الإيمان بحياة أخرى.
خلاصة
ما يمكن استنتاجه من خلال ما سبق أن الوثائق المتوفرة عن معتقدات إنسان ما قبل التاريخ نادرة ومشتتة ولا تعطي من المعلومات إلا القليل ذلك أننا لا نعلم شيئا عن القوى التي كان الإنسان يقدسها أو أسماء الآلهة التي كان ربما يعبدها. كما أن الحفريات لم تبرز شيئا عن معتقد الإنسان في فترة العصور الحجرية الأولى مما يدفعنا إلى الاستنتاج بأن الجانب العقائدي للإنسان البدائي لم يتبلور إلا في المائة سنة الأخيرة قبل الميلاد