الخطوط العريضة للقسم

  • محاضرات  في مقياس: تقنيات البحث                                    لطلبة السنة الأولى جذع مشترك       

                                                          د. عبد الرحمن بلحنيش

    المحاضرة الخامسة: التأليف وأساليبه العلمية.

    1-           مفهوم التأليف:

    التّأليف عملية يقوم بها الباحث بعد جمع المادة العلمية من مصادر ومراجع متنوعة واضعا إيّاها في ملفات أو بطاقات دقيقة التسجيل حتى لا يغبن أثناء عملية التحرير لتخرج الرسالة كاملة لا نقص فيها ولا خلل، ويتسنى للباحثين والقارئين متابعة هذا العمل والاستفادة منه بعد أن يجدوه في حُلل من الوشي اللّفظي والنظم العلمي، بقدرات أسلوبية وآليات حجاجية إقناعا للقارئّ؛ لكن قبل التأليف النهائي المصحوب بالمراجعة والتصحيح والحذف والزيادة والتنقيح والتعليق.

    لغة: ألّف ألفاً، أنس به وأحبّه، والمكان تعوّده واستأنس به وألف بينهم، أوقع الألفة؛ ومنه ألّف الشيء وصل بعضه ببعض/ والكتاب جمعه، تألف الشيء تنضم// وتألفوا وتجمعوا ائتلفوا وتألفوا، اجتمعوا؛ ومنه: التأليف والمُؤَلَف : الكتاب جمعت فيه مسائل علم من العلوم.المؤلف: مُنْشِئُ الكتاب أي المُؤَلَّف.

    وعليه فالتّأليف هو عملية نظم الكلام وصياغته وكتابته في صورته النّهائية متمثّلا ومجسّما فيه-البحث- آراءه الجديدة وتحليلاته العميقة، ومن خلال عرضه لقدراته التّعبيريّة في اللّفظ والأسلوب، مثبتا ذاتيّته، وشخصيته العلميّة في استقلال من غير تبعيّة لأحد؛ وعليه فإنّ هذا العمل يمرّ بمراحل لابّد منها:

    أولا: مرحلة التسويد: هي مرحلة تمهيدية يجرب ويختبر فيها الباحث قدراته الأسلوبية وآلياته الحجاجية الإقناعية، متبعا خطته الأولية التي رسمها أول الأمر مستعينا بمنهجية دقيقة، مستثمرا كل ما جمعه من معلومات ونصوص منقولة، موظّفا إيّاها في بحثه، ناقلا لها من البطاقات أو الملفّات، ملخصة ومقتبسة حرفيا ثم يكون دوره_ الباحث_ بالتعليق والتعقيب والشرح وهكذا...  سواء، معلقا على رأي أو ناقدا له أو مبديا رأيا جديدا... أو كاشفا عن تناقض.

    ملاحظة:- تجمع المعلومات من بطون المراجع وتوضع في بطاقات، والبطاقات تسجل عليها كل المعلومات عن الكاتب والكتاب والصفحة ودار الطبع وتاريخها...

    -أو في ملفّات، والملّف يمثل الفصول والمباحث وتوضع المعلومات في أوراق تحمل هذه النصوص مع التّوثيق الدّقيق، يبيّن مصدر المعلومات.

    أما كيف يتمّ هذا العمل؟ فإنّه ينجز وفق إجراءات محدّدة تبدأ بقراءة جميع البطاقات أو الملفّات من أجل تمثل الموضوع وتصوّره في شكل جسم كامل الأعضاء والأجهزة؛ ثمّ يحدّد ما يمكن أن يغيره بإضافة أو حذف أو استبدال، ثم له أن يعيد صياغة الإشكالية وفق هذه المتغيرات، وقد تتّسع خطّته، أو تتقلّص وفق ما حصل عليه من معلومات جديدة وقيّمة أو نادرة، ووفق ما يملكه من أفكار في هذا الموضوع، وأخيرا التأكّد من أنّه ملمّ بكل عناصر الموضوع والأفكار وأسئلة الإشكالية، وهذا كله يتم بالاسترشاد بما نقله من معلومات من المصادر والمراجع المهمة، وكذا الاستنارة بآراء وإرشادات  وانتقادات المشرف على هذا العمل وكذا بآراء الباحثين الذين يثق في علمهم " فالعلم صيد والكتابة قيد"، " والحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق بها" فلا مجال للخجل أو التكبر.

    ثانيامرحلة التبييض: بعد الانتهاء من عملية التّسويد تأتي مرحلة التبييض وهي عملية إعادة قراءة العمل و البدء في تحريره في شكل بحث منظم بخط يختاره أو تختاره الهيئة المُنْظَمِّ لها: جامعات، معاهد، مدارس ... يتخلص خلالها من كل الشوائب التي لا يرضاها من الأفكار والآراء، أو يقوّم ما تسرّع فيه، متخلّصا من التشويش الذي وُسِمَ به بحثه، بداية الأمر متأكدا من الأسئلة التي طرحت أول الأمر، والإجابة التي بحث عنها في طيّات الكتب والمواقع والدوريات والرسائل الجامعية...

    وما هذا التبييض إلا إعادة تنظيم البحث ليخرج في حلّة قشيبة، يرتاح لها في النهاية ولا يشعر بالحرج إذا ما عرض العمل على المشرف أو هيئة القراءة والمناقشة.

    كما أنّ التبييض يجري في سياق معين وكأنّه خيط واحد أو سلسلة منتظمة الحلقات من أبواب وفصول ومباحث ومطالب وهكذا، وهي خطة التحرير plant de rédaction  بادية في شكل دقيق مفصل واضح لكل باحث وقارئ وذي عينين مبصرتين باصرتين.

    والباحث في هذا العمل قد يستعين بعناوين فرعية غير عناوين الفصول والمباحث، ليتقدم في بحثه ويجري بسهولة متجنبا العثرات والاستطرادات محافظا على وحدة البحث الممنهجة؛ وهذا التبييض لابد له من قواعد وحدود لا تقتحم، منها:

    1-التنسيق بين آراء الباحث وآراء من ينقل عنها.2-لا يجب أن تكون آراؤه مجرد شرح بل لابد من هضم الموضوع وفهمه بعمق، بل ومزودة بحجج وبراهين وآراء مقنعة.3-المناقشة العلمية الموضوعية بعدا عن أيّ خلفية، دينيّة، معتمدا الآراء والحجج والبراهين المقنعة.4-التناوب بين أفكار الباحث نفسه وأفكار الباحثين الآخرين في شكل نسقي بعيد عن التعدي أو الأنانية، أو الميل دون وجه حق(البعد عن الأنانيّة).5-بعض الآراء لا يجب أن تعتبر حقائق ثابتة، وجب عدم التّسليم بها، ومناقشتها، إلاّ ما لا يتناطح فيه عنزان.

    -الأمانة العلمية، فلا ينقل نصوصا مبتورة، أو محرّفة عن الفهم الصحيح لها.

    بعد كل هذا العمل تأتي عملية أخيرة وهي :

    ثالثاالمراجعة: للعمل مرّات ومرّات للأفكار والأساليب والقواعد الإملائية، عارضا هذا العمل على مدققين لغويين إذ لا يعيبه هذا، إن كان يعاني ضعفا (اثنان لا يتعلّمان مستحٍ ومتكبّر)، وبعد التأكد والاطمئنان يعرض العمل على المشرف الذي يزوده بآراء وأفكار نهائية من حيث الشكل والمضمون والمنهجية، ثم إذا أذن له بالطبع طبع العمل وهذا مطمئن؛ وقبل المناقشة وجب عليه القراءة والمراجعة وإيجاد إجابات لأسئلة محتملة من هيئة المناقشة إذا كانت البحوث من نوع:  الماستر أو الماجستير أو الدّكتوراه أو مداخلات في ملتقيات ومؤتمرات.

    ملاحظة:   -وجب ضبط بعض الكلمات بالشكل إذا كانت حمّالة أوجه.

           -ضبط الآيات والأحاديث والأبيات الشعرية بالشكل الإعرابي، فلا تحرّف عن مقصودها.

    -احترام علامات الترقيم من نقطة وفاصلة، وغيرها....

    وصايا للباحثين:

    1- الاعتماد على النفس في الكتابة، وعدم الإفراط في النقل.

    2- الصدق والأمانة العلمية في عرض الأفكار ونسبتها لأصحابها بالتوثيق الدقيق الجيّد.

    3-الدّقة والوضوح في نقل الأفكار وعرضها بأسلوب منطقي وموضوعي في لغة سلسة سهلة.

    4-الموضوعية وإن تعارضت الأفكار مع توجهات الباحث.

    5-التسلسل في الأفكار وحسن ربط الجمل ببعضها.

    6- تجنّب الجمل الطويلة المملّة والمحشوة بالمترادفات واستبدالها بالجمل القصيرة المفيدة.

    7- تحقيق التوازن بين الفصول والعناوين وإلاّ صبّ عليه جمّ من الانتقادات.

    8- الكتابة الواضحة المفصّلة للمعلومات مع ضبط الكلمات التي قد تشكّل للقارئين غموضا.

    9- عرض العمل على الناقدين والاستفادة من توجيهاتهم، وهذا يساعده على التّصحيح للمعلومات، حتى من الجانب اللغوي والأسلوبي.

    10-الابتعاد عن المبالغة والبلاغة الزائدة والزخرفةا لكلامية، بل تعتمد اللغة والأسلوب العلميين.

    11-اعتماد العربية الفصحى وفق قواعدها المعهودة، دون اللّجوء إلى الغموض أو الابتذال.

     

    ملاحظة:  قد تجدون شيئا من التكرار من محاضرة إلى أخرى، لا عتب في ذلك، فإنّ المواضيع متعلّق بعضها ببعض.