المركز الجامعي مرسلي عبد الله
-تیـــبــازة-
معھد الحقوق والعلوم السیاسیة
تخصص: قانون جنائي ماستر 1
مقیاس العدالة الجنائية الدولية
الدكتور: نورالدين عبد الرزاق.
المحاضرة الأولى.
مقدمة:
بعد أن اكتوى البشر بنيران الفوضى والجريمة والانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان، التي كان له الدور الأكبر في اندلاعها وتصاعد شدتها، وذلك كله نتيجة غلبة الطغيان والمصالح السياسية الضيقة، كان من الضروري أن يعود بعدها مستسلما الى طريق العدالة ومقتضياتها، وهذا لإيمانه بأن العدالة هي الطريق الوحيد لاستعادة الاستقرار بعد الصراعات الدامية والوسيلة الأمثل لتهدئة النفوس وإنصاف ضحايا النزاعات المسلحة، كما أنها تزيل كل رغبة في الانتقام مما يساعد على الرجوع إلى الحياة الطبيعية، ومن أجل ذلك سعى المجتمع الدولي للنهوض بالعدالة الجنائية، فتمازجت الحضارات الإنسانية على اختلاف أزمنتها في تزويدها بالشعور الانساني والأفكار المتطلعة لتحقيقها، حتى تعالت الاصوات المطالبة بتقنين مبادئها وأحكامها ومحاكمة المعتدين عليها، حيث ظهرت لأول مرة حسب فقهاء القانون الدولي الجنائي في الحضارة المصرية التي عرفت عقوبة الابعاد، كما عرفت الحضارة البابلية محاكمة ملك يودا المهزوم في الحرب على يد ملك بابل بالإضافة الى محاكمة أرشيدوق (Archduke) النمسا (هو أحد أمراء العائلة المالكة في النمسا) في اقليم الراين حيث حكم عليه بالإعدام والى المحاكمة التي تمت في نابولي عام 1268.
أما في عصرنا الحديث فان هذه الفكرة يعود فضل اقتراحها وتجسيدها في إطار أجهزة قضائية جنائية دولية للسيد جوستاف موانييه Gustav Moinier الحقوقي السويسري الذي يعد أحد مؤسسي اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وهو أول من قام بإعداد مشروع اتفاقية دولية سنة 1872 لإنشاء هيئة قضائية دولية لمنع وردع أي مخالفة لاتفاقية جنيف المؤرخة في 22 أوت 1864 والتي تتضمن 10 مواد.
حيث كان يسعى الحقوقي السويسري الى تحقيق العدالة على أرض الواقع فعليا ومعاقبة الأشخاص الذين انتهكوا قواعد القانون الدولي الإنساني بارتكابهم جرائم دولية خطيرة تمس بالمصلحة الدولية، ومكافحة افلاتهم من العقاب الذي يجب أن يكون رادعا ومنصفا واسقاط الحصانة عنهم وتعويض المتضررين من الضحايا، ولن تتحقق هذه المساعي السامية الا بإنشاء جهاز قضائي دولي ظهرت ملامحه بداية في شكل محاكم جنائية دولية عسكرية كمحكمة نورومبورغ وطوكيو، والمحاكم الخاصة ليوغسلافيا الشرقية وروندا إضافة الى المحاكم المختلطة في تيمور، وسيراليون وكوموديا ومحكمة لبنان للتجسد فعليا فكرة خلق قضاء جنائي دولي دائم سنة 1998 بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية الدائمة كأول محكمة دولية تعاقب الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم دولية حددها ميثاق روما في المادة 05 منه وهي (جرائم الإبادة الجماعية -جرائم ضد الإنسانية -جرائم الحرب -جرائم العدوان) وبالتالي فهي تغطي معظم الانتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان وللقانون الدولي الإنساني التي تغطيها اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولان الإضافيان لعام 1977 سواء ارتكبت خلال نزاع مسلح دولي أو غير دولي.
من خلال دراسة مقياس العدالة الجنائية الدولية سنبين أهم الجهود التي بذلت في مجال إرساء فكرة العقاب عن ارتكاب أخطر الجرائم الدولية من خلال التعرف على الترسانة القضائية التي أنشئت مصاحبة لأهم الأحداث المأساوية التي شهدها العالم. وسنحاول التركيز من خلال دراستنا لهذا المقياس على ما يلي:
المحور الأول: التأصيل المفاهيمي والقانوني لفكرة العدالة الجنائية.
أولا: تعريف العدالة الجنائية الدولية.
ثانيا: النظام القانوني الخاص بالعدالة الجنائية الدولية.
ثالثا: أسس ومبادئ العدالة الجنائية الدولية.
رابعا: الأساس القانوني للمساءلة الجنائية الفردية.
المحور الثاني: الأليات القضائية لتكريس العدالة الجنائية الدولية.
أولا: المحاكم الجنائية الّدولية المؤقتة.
أ- المحاكم العسكرية الخاصة بمعاقبة إمبراطور المانيا غليوم الثاني وبعض الضباط.
ب – المحاكم العسكرية الدولية بعد الحرب العالمية الثانية.
1- المحكمة العسكرية لنورمبورغ لسنة 1945.
2- محكمة طوكيو العسكرية.
ج - المحاكم الجنائية الدولية الخاصة.
1- المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا.
2- المحكمة الجنائية الدولية لرواندا.
د - المحاكم الجنائية المدولة (المختلطة).
1- المحكمة الجنائية المدولة في سيراليون.
2- المحكمة الجنائية المدولة في كومبوديا.
3- المحكمة الجنائية المدولة في تيمور الشرقية.
4- المحكمة المختلطة في لبنان.
ثانيا: المحكمة الجنائية الّدولية الّدائمة.
المحور الأول:
التأصيل المفاهيمي والقانوني لفكرة العدالة الجنائية.
أولا: تعريف العدالة الجنائية الدولية.
ظهرت العديد من التعريفات للعدالة الجنائية الدولية، حيث عرفها البعض بأنها عدالة وضعية صاغ أحكامها الانسان، وتمازجت الأفكار لصياغتها منذ الحضارات الإنسانية القديمة خاصة بعد أن تعالت المطالب بتقنين قواعدها لمعاقبة المجرمين الدوليين الذين ارتكبوا مجازر وجرائم دولية في حق المدنيين العزل خاصة في القرنين الماضيين، ومازال مفهوم العدالة الجنائية الدولية يتطور الى حد الان كلما توافرت الإرادة الدولية لإرضاء الضمير الدولي بتطبيق أحكام القانون الدولي الجنائي بالتجريم والعقاب كلما تطلب الامر ذلك ، لذلك لن تتحقق هذه العدالة الا بتوفر ثلاثة ركائز مهمة ( قواعد قانونية – إجراءات تنفيذية – أجهزة قضائية دولية ووطنية) وعلى هذا الأساس فإن مفهوم العدالة الجنائية هو:
" نظام قانوني يهدف إلى محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية في جميع أنحاء العالم."
كما عرفت أيضا بأنها " نظام قضائي دولي يهدف إلى معاقبة الجرائم الأكبر التي تنتهك القانون الدولي الإنساني، مثل الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية والحروب، وذلك من خلال محاكم دولية مستقلة تخضع لهيئة الأمم المتحدة".
وقد عرفت أيضا بأنها " هي حماية القيم والمصالح الاساسية للمجتمع الانساني عموما (الدولي)، وذلك بتجريم الافعال المعتدية ومعاقبتها، فضلا عن جبر الضرر لضحايا ذلك الاعتداء، عبر اجراءات ووسائل مشروعة وطنية كانت أو دولية.
وفي اطار ما سبق نتساءل: هل حماية القيم والمصالح الاساسية للمجتمع الانساني بالتجريم والعقاب يقتصر على تلك الجرائم التي تدخل ضمن اختصاص المحاكم الجنائية الدولية أو يتعدى ذلك؟
|
الاجابة عن هذا التساؤل يساعدنا على فهم نطاق العدالة الجنائية الدولية والذي سنبينه فيما يلي:
1- لا تلازم بين النطاق الموضوعي للعدالة الجنائية الدولية واختصاص القضاء الدولي، أذ لا يمكن للعدالة الجنائية الدولية أن تطبق ما لم يكن هناك قانون معني بتنظيمها وقضاء مختص بتطبيقها، إلا أن التلازم ما بين القانون والقضاء والعدالة والتأثير المتبادل فيما بينهما، لا يعني الاندماج إلى درجة تفقد كل واحدة وجودها ككيان مستقل في حال غياب الآخر.
أي إن غياب القضاء لا يعني عدم وجود القاعدة القانونية المنظمة للعدالة وإلزاميتها، بل وغياب القانون والقضاء معاً لا يعني غياب العدالة (كفكرة) سائدة في ضمائر الناس وإن تجاهل المشرع الدولي تبنيها لفترة من الزمن في قواعد قانونية ملزمة وخص لها القضاء المعني بتطبيقها، رغم أن ردود فعل أفراد المجتمع واستيائهم نتيجة عدم مواكبة المشرع للفكرة القانونية الجديدة السائدة والمتعلقة بمفهوم العدالة ستلزم المشرع على مواكبتها عاجلاً أم آجلاً وإلا كان مصيره فقدان الشرعية أو زعزعتها على أقل تقدير.
في حين
أن المشرع في بعض الأحيان هو من يبادر الى صياغة فكرة العدالة وتنظيم أحكامها دون
أن تكون لها سابقة، أو يسعى لتطويرها تبعا للظروف التي دفعته لذلك، فيفرضها بقواعد
قانونية ملزمة اتفاقية كانت أو عرفية، ويترتب على ما تَقدم أمران،
الأول
يتعلق بنشأة ووجود العدالة الجنائية الدولية، باعتبارها سابقة لوجود القانون
المعني
بها
في حال تراخي المشرع الدولي في تنظيمها، والثاني يتعلق بمفهومها
وتطلعات المجتمع الانساني نحو العدالة الجنائية الدولية التي ترسخت في ضمير
البشرية وتجسدت في أفكارها وطموحاتها المُصاغة في مؤلفات الفلاسفة والفقهاء فضلا
عن التي ستصاغ مستقبلا كأعمال المنظمات الوطنية والدولية، بما فيها اللجنة الدولية
للصليب الاحمر، قد تساهم في توسيع نطاق فكرة العدالة الجنائية الدولية، فتكون بذلك
أوسع نطاقا من تلك التي تكفلها المشرع الدولي بالتجريم والعقاب، وذلك ما يجعل
العدالة الجنائية الدولية الوضعية معرضة للتطوير كلما توفرت الارادة الدولية
الجادة في مواكبة ضمير المجتمع الدولي وتطلعاته نحو العدالة بالتجريم والعقاب،
وكلما استجدت وقائع تفرض على تلك الارادة بمثل هذا التدخل، والتحديات المعاصرة بلا
شك ستساهم في تطوير أدوات العدالة الجنائية الدولية.
2- اتساع النطاق الموضوعي للعدالة الجنائية الدولية: من خصائص العدالة الجنائية الدولية انها نسبية ولذلك وعلى أية حال هي عليه تكون معرضة للتبديل والتعديل تبعا للمصلحة ومقتضيات العدالة، واقتداء بالفكرة القانونية السائدة المعنية بتلك العدالة، وبذلك فان جرائم اليوم التي تتسم بالصفة الدولية لا يمكن أخذها على انها ثابتة وحصرية، أو أن مفاهيمها ونطاقها ثابت وحصري.
ولذلك لم تغب نسبية العدالة الجنائية عن أذهان واضعي النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية فقد جاء في المادة 10 منه:
ليس في هذا الباب- المعني بالاختصاص والمقبولية والقانون الواجب التطبيق- ما يفسر على أنه يقيد أو يمس بأي شكل من الاشكال، قواعد القانون الدولي القائمة أو المتطورة المتعلقة بأغراض أخرى غير هذا النظام الأساسي.
ولذلك فإن هذه النسبية للعدالة الجنائية الدولية من جانب وعدم التلازم ما بين نطاقها الموضوعي واختصاص القضاء الدولي من جانب آخر، يدفعنا للقول ان النطاق الموضوعي للعدالة الجنائية الدولية لايزال في طور التكوين والاتساع في ظل قانون يواكب متطلبات العدالة الجنائية الدولية وقضاء يطبق هذا القانون.
- Enseignant: Abderrazak noureddine