علوم إجتماعية -علم النفس

المحاضرة رقم 1:

مقدمة:

التعلم مفهوم رئيسي من مفاهيم علم النفس ظل يحظى باهتمام العلماء والمفكرين ورجال التربية في كل زمان ومكان وهو مفهوم جوهري للسلوك الانساني ولا يمكن فهم سلوك بدون الرجوع إلى كيفية تعلمه ،ومن الناحية العملية فلا غنى لأي مجال من المجالات التطبيقية في علم النفس عن فهم نظريات التعلم .

ومن خلال هذه المحاضرات سوف نتعرف على:

أولا: ما هو التعلم؟ من خلال عرض تعريفه وخصائصه وشروطه .

ثانيا :عرض نظريات التعلم للإجابة عن السؤال كيف يحدث التعلم؟

تعريف التعلم:

يصعب ايجاد تعريف واضح ومحدد لعملية التعلم.ويرجع السبب في ذلك إلى عدم إمكانية ملاحظة هذه العملية على نحو مباشر؛ فهي لا تشكل شيئا ماديا يمكن ملاحظته وقياسه مباشرة، وإنما هو عملية افتراضية يستدل عليها من خلال السلوك أو الأداء الخارجي القابل للملاحظة والقياس .

ويرجع الاختلاف أيضا في إيجاد تعريف محدد لها إلى اختلاف وجهات النظر حول طبيعة هذه العملية انطلاقا من اختلاف الافتراضات التي انطلقت منها النظريات النفسية المتعددة.

ومهما يكن من أمر، فيمكن استنتاج التعريف التالي لموضوع التعلم

  • التعلم هو: العملية الحيوية الديناميكية التي تتجلى في جميع التغيرات الثابتة نسبيا في الأنماط السلوكية والعمليات المعرفية التي تحدث لدى الأفراد نتيجة لتفاعلهم مع البيئة المادية والاجتماعية.

وكما يمكن تقديم هذا التعريف الذي يعتبر من بين التعاريف الاكثر دقة وتأييدا لأنه فسر حدوث التعلم وكيفية ملاحظته والذي عرف التعلم بانه :"تغير شبه دائم في امكانية حدوث سلوك معين نتيجة للممارسة المعززة او الخبرة".

  • خصائص التعلم

في ضوء ما سبق يمكن تلخيص خصائص التعلم بالآتي :

أولا: التعلم عملية تنطوي على تغير شبه دائم في السلوك أو الخبرة ويأخذ أشكالا ثلاثة هي:

١- اكتساب سلوك أو خبرة جديدة.

٢- التخلي عن سلوك أو خبرة ما.

٣- التعديل في سلوك أو خبرة ما.

ثانيا: التعلم عملية تحدث نتيجة لتفاعل الفرد مع البيئة بشقيها المادي الممثل بهذا الكون بموجوداته المحسوسة؛ والاجتماعي المتمثل بالإنسان ومنظومته الفكرية والعقائدية ومؤسساته الاجتماعية، فهو نتاج الخبرة والممارسة مع المثيرات والمواقف المادية والاجتماعية المتعددة .

ثالثا: التعلم عملية مستمرة لا ترتبط بزمان أو مكان محدد، فهي تبدأ منذ المراحل العمرية المبكرة، أي منذ الولادة وتستمر طيلة حياة الإنسان. وبالرغم من أن معدل سرعة التعلم ونوعية الخبرات التي يمكن للفرد تعلمها تختلف باختلاف العمر، إلا أن هذه العملية تستمر خلال المراحل المختلفة، وهي لا ترتبط بوقت محدد، فقد تحدث في أي وقت من النهار أو الليل. ومن ناحية أخرى فإن هذه العملية لا ترتبط بمكان محدد، حيث لا تتطلب بالضرورة وجود موسسة تربوية أو تعليمية لإحداثها لدى الأفراد، فهي تحدث في الشارع والبيت ودور العبادة والمدرسة والجامعة إضافة إلى الخبرات التي يكتسبها الفرد من وسائل الإعلام المتعددة.

رابعا: التعلم عملية تراكمية تدريجية، حيث أن خبرات الفرد تزداد وتتراكم على بعضها البعض من جراء تفاعله المستمر مع المثيرات والمواقف المتعددة، ويعتمد الفرد في هذه العملية على خبراته السابقة، فعندما يواجه الفرد مواقف جديدة، عادة يرجع إلى خبراته السابقة حيال تلك المواقف كي يحدد أنماط السلوك المناسبة لهذه المواقف، وقد يضطر في كثير من الأحيان، إلى التعديل في خبراته السلوكية أو اكتساب خبرات جديدة من أجل التكيف مع الأوضاع الجديدة

خامسا: التعلم عملية تشمل كافة السلوكات والخبرات المرغوبة وتلك غير المرغوبة. وتتوقف طبيعة ونوعية الخبرات والأنماط السلوكية التي يكتسبها الفرد على طبيعة ونوعية المواقف والمثيرات التي يتعرض إليها أثناء تفاعله مع البيئة.فقد يكتسب الفرد الخبرات والأنماط السلوكية غير المرغوبة كالسلوك العدواني والإجرامي وغير الأخلاقي، أويكتسب الأنماط السلوكية المرغوبة والمسالمة والأخلاقية كالحب والتعاون ومساعدة الآخرين.

سادسا: التعلم عملية ربما تكون مقصودة موجهة بهدف معين، إذ يبذل الفرد جهدا ذاتيا متميزا بقصد اكتساب خبرات معينة تمثل هدفا بحد ذاتها، ويعمل جاهدا على تحديد مصدر هذه الخبرات وأساليب وإجراءات اكتسابها. وقد تكون عرضية غير مقصودة، بحيث تحدث على نحو غير اتفاقي نتيجة لعملية التفاعل مع البيئة والاكتشاف.

سابعا: التعلم عملية تشتمل جميع التغيرات الثابتة نسبيا بفعل عوامل الخبرة والممارسة والتدريب فقط وتحديدا فهي تتضمن التغيرات التي تظهر بصفة شبه دائمة في السلوك. فالتغيرات السلو كية المؤقتة الناتجة بفعل عوامل التعب والمرض والنوم والنضج؛ أو تلك الناتجة بفعل العوامل الفسيولوجية؛ أو الناتجة من تعاطي مسكر أو مخدر لا تندرج تحت إطار التعلم، لأن مثل هذه التغيرات فالخبرة تشير إلى مجموعة الأحداث مؤقتة سرعان ما تزول بزوال المسبب التي تحدث في بيئة الكائن الحي وتؤدي به إلى القيام بأجراء سلوكي معين.

ثامنا: التعلم عملية شاملة متعددة المظاهر، فهي لا تقتصر على جوانب سلوكية أو خبرات معينة، وإنما تتضمن كافة التغيرات السلوكية في المظاهر العقلية والانفعالية والاجتماعية والحركية واللغوية والأخلاقية. فمن خلال هذه العملية يكتسب الفرد العادات والمهارات الحركية ويطور خبراته وأساليب التفكير لديه، كما ويكتسب العادات والقيم وقواعد السلوك العام، ويكتسب المفردات اللغوية ومعانيها واللهجة، ويطور أيضا أساليب ووسائل الاتصال والتفاعل إضافة إلى الانفعالات وأساليب ضبطها والتعبير عنها.

  • قياس التعلم:

يتم قياس التعلم والحكم عليه من خلال ملاحظة الأداء الخارجي الذي يقوم به الفرد، إذ يعد السلوك محكا مرجعيا يتم الاعتماد عليه في الحكم على حدوث التعلم أو عدم حدوثه، وتتنوع وسائل وأساليب القياس تبعا لنوع التعلم؛ فالتعلم الحركي يقاس بوسائل غير تلك التي تستخدم لقياس التعلم المعرفي أو الاجتماعي مثلا. وعموما هناك عدد من المعايير تستخدم لقياس التعلم ومدى جودته ومنها:

أ- السرعة: وتتمثل في الزمن الذي يستغرقه الفرد لتعلم مهارة أو سلوك معين، أو من خلال السرعة في تنفيذه لعمل معين.

ب- الدقة: وتتمثل في القيام بالسلوك أو المهمة بأقل عدد من الأخطاء.

ج- المهارة: وتتمثل في القدرة على التكيف مع الأدوار المختلفة بحيث يتمكن الفرد من أداء السلوك أو العمل بسرعة ودقة وإتقان، في ظل الظروف والمواقف المختلفة.

د- عدد المحاولات اللازمة للتعلم: وتتمثل في عدد المحاولات التي يحتاجها الفرد لتعلم مهمة أو سلوك معين.

ه- قوة الاستجابة: وتتمثل في شدة الاستجابة المطلوبة حسب الموقف المثيري الذي يواجهه الفرد.

و- كمون الاستجابة: ويتمثل في سرعة ا لاستجابة للموقف المثيري ويقاس ذلك بالزمن المستغرق بين التعرض للمثير والاستجابة له.

ز- احتمالية الاستجابة: ويتمثل ذلك في احتمالية ظهور استجابة من نوع معين في موقف معين.

  • شروط التعلم:

يمكن النظر إلى عملية التعلم على أنها ذات صبغة تفاعلية تتطلب التفاعل المشترك بين الفرد والبيئة المحيطة ومن العوامل به. فهي عملية معقدة تمتاز بتعدد مجالاتها ومتغيراتها والعوامل المؤثرة فيها

  • النضج

يشير مفهوم النضج إلى جميع التغيرات الحسية والجسدية والعصبية التي تطرأ على الكائن الحي والمحكومة بالمخطط الجيني الوراثي. ويعد النضج عنصرا هاما في التعلم، إذ لا يمكن حدوث بعض أنماط التعلم أو اكتساب بعض الخبرات ما لم يتم اكتمال نضج بعض الأعضاء الجسمية. فعلى سبيل المثال، لا يمكن تعلم النطق و الكلام ما لم يتم نضج أجهزة الكلام، ولا يستطيع الفرد أداء بعض المهارات الحركية الدقيقة ما لم يتم نضج العضلات

الدقيقة وتحقيق التآزر الحسي- الحركي. وعليه فإن التغيرات التي تطرأ على الأجهزة الجسمية والحسية والعصبية المحكومة بالمخطط الجيني لا بد من توفرها حتى يحدث التعلم.

  • الدافعية

تسهم الدافعية في حدوث عملية التعلم في كونها تزيد من جهود الفرد ومثابرته أثناء عملية التعلم، وتعمل على توجيه مثل هذه الجهود نحو مصادر التعلم المناسبة واستخدام الإجراءات والأساليب الملائمة. وتعرف الدافعية على أنها حالة توتر أو نقص داخلي تستثار بفعل عوامل داخلية (كالحاجات والميول والاهتمامات) أو عوامل خارجية (كالمثيرات التعزيزية الخارجية: البواعث)، بحيث تعمل على توليد سلوك معين لدى الفرد فالدافعية ،, وتوجه هذا السلوك وتحافظ على ديمومته واستمراريته حتى يتم خفض الدافع تسهم في عملية التعلم من حيث:

أ- توليد السلوك للتعلم. فالدافعية تستثير السلوك بغية تخفيف التوتر الناتج يفعل وجود دافع أو حاجة لدى الفرد أو هدف يسعى إلى تحقيقه.

ب- توجيه السلوك نحو مصدر التعلم، فهي تعمل على توجيه السلوك نحو المعلومات والمصادر المهمة ذات العلاقة والتي من شأنها أن تساعد في تحقيق الأغراض والأهداف وإشباع الدوافع .

ج- استخدام الإجراءات والوسائل المناسبة لتحقيق التعلم.

د- الحفاظ على ديمومة واستمرارية السلوك حتى يحدث التعلم.

  • التدريب والخبرة

يعد هذا العامل من أكثر العوامل أهمية في عملية التعلم، إذ يسهم هذا العامل في إثارة الاستعداد والدافعية لدى الأفراد نحو التعلم، فهو يعمل على إثارة الإمكانات الطبيعية الموجودة لدى الأفراد للوصول إلى أقصى حدودها. ويتمثل عامل التدريب في فرص التفاعل التي تتم بين الفرد والمثيرات المادية والاجتماعية التي يتعرض لها في البيئة. فمثل هذه الفرص تسهم في تزويد الفرد بالخبرات والمعلومات عن الأشياء وخصائصها، الأمر الذي يتيح له إمكانية تعلم أنماط سلوكية جديدة أو التعديل في الأنماط السلوكية الموجودة

, لديه، وذلك من أجل السيطرة على المثيرات البيئية التي يواجهها أو التكيف معها.

كما ويتضمن التدريب عدد المحاولات والزمن الذي يستغرقه الفرد في تعلم مهمة ما. فإتقان التعلم يعتمد على المحاولات الجادة التي يقوم بها الفرد. ولا سيما في حالة وجود تغذية راجعة لهذه المحاولات. وتتوقف الخبرة والممارسة على طبيعة البيئة التي يعيش فيها الفرد ويتفاعل معها؛ فالبيئات الغنية بمثيراتها الاجتماعية والمادية توفر فرصا للممارسة والتعلم أكثر من البيئات الفقيرة، وهذا بالتالي يزيد من فرص التعلم والاكتساب. كما أن البيئات التي تمتاز بالتسامح والتقبل والدعم تسهم في زيادة فرص التفاعل أكثر من البيئات المتشددة، الأمر الذي يزيد من خبرات الأفراد وتنوعها.

  • مراحل التعلم:

دلت نتائج البحوث أن التعلم يحدث خلال ثلاثة مراحل أساسية، يمكن تقديمها على الشكل التالي:

  • مرحلة الاكتساب: وهي المرحلة التي يدخل المتعلم من خلالها المادة المتعلمة إلى الذاكرة.
  • - مرحلة الاختزان: تتميز بحفظ المعلومات في الذاكرة.
  • مرحلة الاسترجاع: و تتضمن القدرة على استخراج المعلومات المخزنة في صورة استجابة.
  • نتاج التعلم: يتم تصنيف نتاج التعلم على النحو التالي:
  • - تكوين العادات:
  • يطلق لفظ العادة على أي نوع من السلوك المكتسب و هو أي سلوك يقوم به الفرد بصفة سهلة وآلية نتيجة التكرار. ويمكننا القول أن العادة هي استعداد يكتسب بالتعلم و لا يحتاج إلى الجهد والتفكير و التركيز والانتباه.
  • تكوين المهارات:
  • تكتسب على مستوى الحركي والتوافق الحركي العقلي، حيث يلعب التكرار دورا كبيرا في تكوينها،و تؤثر التدريبات المستمرة في التوصيلات العصبية حيث تيسر حدوث العمليات المتتالية في المهارة بسرعة ودقة من غير تركيز للانتباه. و معظم المهارات تبنى على استعداد وموهبة وقدرة خاصة بالاظافة إلى الميول التي تلعب دورا في تكوين المهارات العلمية.
  • - تعلم المعلومات والمعاني:
  • يتزود الفرد بالمعلومات والمعاني من البيئة التي يتفاعل معها في محيطه الطبيعي والأسري والمدرسي والاجتماعي والثقافي الحضاري.
  • - تعلم حل المشكلات:
  • يعتمد أسلوب حل المشكلات على فهم الموقف وتحليله ابتداء من الشعور بالمشكلة والعمل على حلها ثم جمع المعلومات عن موضوع المشكلة ووضع الفروض الملائمة لها و التحقق من الفروض بالتجربة والممارسة للنشاط و أخيرا الوصول إلى النتائج أو القوانين أو القواعد اعتمادا على التحليل بالمقارنة وتنمية التفكير الاستدلالي والاستقرائي.
  • - تكوين الاتجاهات النفسية:
  • الاتجاه النفسي هو استعداد أو تهيؤ عقلي يتكون نتيجة عوامل مختلفة مؤثرة في حياته تجعله يؤخذ موقفا نحو بعض الأفكار بحسب قيمتها الخلقية أو الاجتماعية. والواقع أن شخصية الفرد ،تتكون من مجموعة الاتجاهات النفسية التي تتكون نتيجة التنشئة والتربية والتعلم، فتؤثر في عاداته وميوله وعواطفه وأساليب سلوكه، ويتصف تعلم الاتجاهات بالتخزين طويل المدى، بينما يتعرض تعلم المعلومات إلى الإتلاف الناتج عن عوامل النسيان.